الجديدمقالات

أضطراب طيف التوحد أو Autistic Spectrum Disorder

سداد جواد التميمي

أن أستحداث مفهوم طيف التوحد في السنوات الأخيرة يعكس تغييرا جذريا في مفاهيم الطب النفسي التي أصبحت تركز على وجود بعض الأعراض والتي تتجاوز في حدتها من طفيف جدا الى شديد جداً، بدلا من التركيز على وجود أو عدم وجود أعراض معينة او أضطراب ما.  وفي نفس الوقت فأن هناك هوسا اجتماعيا وعلميا بخصوص الأضطراب و تشخيصه ومعرفة أسبابه.

أن مصطلح التوحد أصبح شائع الأستعمال في الصغير والكبير على حد سواء، ومن جراء ذلك أصبح المفهوم يشكل ضغطاً لا يستهان به على الخدمات الصحية المجانية والخاصة منها. والتوحد يرتكز على مشاكل التواصل الأجتماعي، فليس من السهولة أن تصدر الحكم على سلوك أنسان بأنه غريب أو توحدي. هناك من هو انطوائي ومبدع،  وليس من الصواب أن تصفه بالتوحد لأنه يختلف عنك وعن بقية الناس. ومما يتوجب ذكره فأن التوحد لا يزال محاطاً بالغموض، ولا توجد جينات يسهل تعريفها، حيث أن كل مراجع يختلف عن الآخر.

كذلك أصبح التوحد كثير الأستعمال في تفسير سلوك غير مقبول مهنياً وتأزم الأنسان مع زملائه وفي العمل. والحقيقة أن أستعمال دفاع التوحد من قبل البعض عواقبه سلبية، لأن أي لجنة أو محكمة تنظر في سلوك غير مقبول تصل الى أستنتاج واحد وهو أن الفرد غير قابل على التعلم من أخطائه بسبب صفاته التوحدية.

أن عملية تشخيص التوحد، وخاصة في البالغين، ليست عملية سريعة بل أنها تستغرق عدة ساعات أحياناً. وهناك من يشخص نفسه بهذا الأضطراب عبر الانترنت، ويطالب بخدمات صحية وتعليمية تسد أحتياجاته الناقصة. هذا المشهد في الحياة العملية كثير التكرار، وعدم الحصول على التشخيص طالما يؤدي الى رفض الفرد لتقييم الفريق الصحي، ويبدأ بالبحث عن طبيبٍ يعطيه هذا التشخيص.

كما أصبح التوحد أيضاً عرضة لأستغلال بعض الأطباء والمعالجين الذين يقدمون خدمات علاجية طبية لا تستند على اَي دليل علمي. هذا المشهد كثير الملاحظة في الأطفال. أن العملية العلاجية الوحيدة التي يمكن التوصية بها هي التي تستهدف تأهيل الطفل وتقييم مهاراته، والتي يمكن صقلها لتساعده في التنافس مع أقرانه.

تاريخ التوحد

أن أول من أستعمل مصطلح التوحد هو الطبيب النفسي السويسري بلوليرBleuler  وذلك عام ١٩١٠ في تعريفه للفصام حيث وضع أربعة مجموعات لتشخيصه، ومن ضمنها التوحد و ما كان يعينه أنعزال المريض وخلوته بالخيالات الخاصة به. لا يزال مفهوم بلولير في غاية الأهمية عند الحديث عن الفصام، وأستعار المصطلح من الأغريقية و معناه الذات Self او النفس.

و لكن التوحد كما نعرفه الان مصدره مدينة فينا. فقد هاجر منها طبيب نفسي هو ليو كانر Kanner الى أمريكا ونشر في عام ١٩٤٣ وصف حالات مرضية لأحدى عشر طفلا و أطلق عليها مصطلح الأضطرابات التوحدية للأتصالات الوجدانية، وبعدها بعام واحد أستحدث مصطلح التوحد الطفلي المبكر. أن الكثير من الأعراض التي وصفها كانر هي مشابهة لأضطراب التوحد الان وتحدث عن قوة الذاكرة و عجز الكلام. كان عالم كانر هو عالم المدرسة التحليلية، وقد تم وضع التوحد في أطار فصام الطفولة الذي أستمر لعقود عدة. وقد كانت خطيئة كانر الكبرى أسقاط اللوم على الوالدين في الحديث عن أسباب المرض، و بعده نشر هذه الضلالة برونو بيتلهايم ببدعته المعروفة بالثلاجة الأم.

و لكن في نفس وقت ظهور سلسلة كانر كان هناك طبيبا نفسيا في فينا اسمه هانز اسبرجر الذي نشر في عام ١٩٤٤ وصفة للشخصية التوحدية Autistic Psychopathy. لم ينتبه احد لاسبرجر الذي تحدث عن التوحد بصورة إيجابية، وركز على أهمية الجينات وشيوع الأضطراب عكس زميله المهاجر الذي كان يقول بأن التوحد نادر جداً. لم يسمع أحد بما كتبه أسبرجر الى ان نشرت لورنا وينغ مفهومه في عام ١٩٨١. بعد ذلك بدأ مفهوم التوحد يتغير وبسرعة.

يشير الأعلام الى أرتفاع أنتشار حالات التوحد في الأعوام الأخيرة، و لكن لا يوجد دليل واضح على ذلك، وربما أستحداث معايير تشخيصية جديد قد ادى بدوره الى أرتفاع هذه الحالات، أضافة الى  الزيادة في الوعي الجماهيري، وأستحداث خدمات خاصة للتوحد مما ساعد على زيادة تشخيص المرض. أن أنتشار التوحد هو ١ ٪ في السكان و لكل ٦ ذكور هناك انثى واحدة. كما أن أحتمال تشخيص التوحد في الولايات المتحدة الامريكية هو ضعف حدوثه في أوروبا.

الأضطرابات العصبية التطورية

تظهر في الطفولة وهي:

١ أضطراب العجز الفكري التطوري Intellectual Developmental Disorder.

٢ أضطرابات الأتصال Communication Disorders وتشمل اللغة، وأضطراب صوت الكلام، طلاقة الكلام(التأتأة)، وأضطراب الأتصال الأجتماعي.

٣ أضطراب طيف التوحد، ويعتمد تشخيصه على عجز في التواصل الأجتماعي، ونمط متكرر من السلوك والهوايا،٫ التي تبدأ في مرحلة مبكرة، وتعيق الأنسان أجتماعياً ومهنيا.

ولكي يتم تشخيص التوحد فيجب ان لا يتم تفسير هذه الأعراض بالعجز الفكري حتى وان كان موجوداً. ما يعنيه ذلك هو يمكن ان يجتمع التوحد مع العجز الفكري.

٤ أضطراب عجز الأنتباه وفرط الحركة Attention Deficit/Hyperactivity Disorder (ADHD).

٥ أضطرابات التعليم المحددة (القراءة والكتابة والرياضيات).

٦ الأضطرابات الحركية.

كان الهدف من هذه المقدمة هو الأنتباه الى ان بعض الدراسات والنشرات العلمية تشير الى التوحد ولكنها لا تعرّفه بوضوح. أن جميع هذه الاضطرابات تجتمع بعضها مع البعض الاخر في نفس الطفل، ولكن هناك بعض الأسراف في التركيز على وأستعمال مصطلح التوحد دون الإشارة الى الأضطرابات الخمسة الأخرى.

تشخيص التوحد

طيف التوحد Autism مفهوم جديد نسبياً وكان يتضمن سابقاً ثلاثة ابعاد:

• اولاً: التفاعل الاجتماعي.

• ثانياً: السلوك التواصلي مع الآخرين.

• ثالثاً: السلوكيات المتكررة والمقيدة.

اما اليوم فقد تم دمج الأول والثاني وبقي المجال الثالث كما هو وتم إضافة ردود فعل حسية غير نموذجية.

لا يستطيع الطفل تكوين علاقات عاطفية مع من حوله، بل أنه يتجنب أي أتصال جسدي مع الآخر ولا يثير فضوله الأطفال الآخرين. كما أن النطق و الكلام قد يتأخر، وهناك أقلية من الأطفال لا تتكلم طوال العمر. هناك مجموعة يتطور فيهم الكلام طبيعيا الى عمر عامين ثم يتوقف. رغم ذلك فأن ما لا يقل عن ٥٠٪ منهم يتكلم طبيعيا بعد البلوغ وان كانت لغته دون معدل أقرانه.

يؤثر العجز المعرفي على التواصل الغير كلامي، وهذا ما يفسر أحيانا عدم مشاركتهم الآخرين اللعب. كما أن الضوء قد يثير اهتمامه أضافة الى أنه يتميز بحركات أكثر من الأطفال الآخرين.

كل هذه العوامل تدفع الطفل الى التمسك بعدم التغيير في الأكل و الملابس و يصبح مولعا بالرتابة والتماثل و الدوران و تكرار حركات الأصبع و اليد. كما ترى الطفل أحيانا غير مباليا بالألم، و يكثر من شم الحاجيات و اللعب. هناك إعاقة ذهنية في ٢٥-٥٠٪ منهم و لكن أداءهم في أختبارات المقدرة البصرية الفراغية  Visuospatial  أعلى من أقرانهم.

ولابد من أن نشير الى أن الصرع يصيب ٢٥٪ منهم في عمر المراهقة. كما أن نوبات الغضب ليس بغير المعروفة فيهم، والبعض منهم يتم تشخيصه لأول مرة في العقد الثالث من العمر بسبب سلوك عدواني كرد فعل لأستفزاز الآخرين.

لا يكفي ان تشخص التوحد فهذا بحد ذاته لا معنى له وانما تحدد ما يلي:

١ السبب؟

٢ شدة الاضطراب؟

٣ تخلف عقلي؟

٤ عاهة لغوية؟

٥ هل هناك علامات جمود(جمودية)عضلية؟

كان سابقا لا يجوز تشخيص أضطراب فرط الحركة وعجز الأنتباه ADHD مع التوحد ولكن ذلك تغير الآن.

أن المعيار الذهبي لتشخيص التوحد وتقييمه هو الجدول التشخيصي لمراقبة التوحد نفسه وهو في طبعته الثانية، ويتضمن فحص الطفل واللعب معه، ولا بد من ان تتدرب عليه في دورة خاصة. إذا لم يفعل طبيبك ذلك فتوجه نحو من هو مختص في هذا المجال.

أن التشخيص والعلاج يتطلب التشاور بين الأخصائي وطبيب في علم تطور الطفل أاخصائي نفساني ومعلم وأخصائي النطق واللغة.

أكثر العلامات التشخيصية المصداقية هي:

١ عدم أستجابة الطفل لأسمه.

٢ عدم الأبتسام أجتماعيا.

٣ عدم التركيز مع الغير.

٤ عدم النطق وغياب الكلمات في عمر ١٦ شهراً.

٥ غياب الجمل في الكلام في عمر ٢٤ شهراً.

٦ عدم أستخدام الإشارات للتعبير.

بما أن عدم الكلام هو أكثر الاعراض ملاحظة عليك ان تجيب على ما يلي:

١ هل هناك مشكلة في السمع؟

٢ ان تكلم الطفل فهل يفهم ما يقوله؟

٣ مع غياب الكلام هل يستطيع الطفل التعبير عن نفسه بدون كلام؟

٤ هل كانت هناك مشاكل في الولادة؟

٥ هل هناك ظروف بيئية قاهرة تقف حاجزاً بوجه تطور الطفل؟.

معالجة التوحد

التطور الذاتي للإنسان يعتمد على تكوينه الشخصي وتفاعله مع من يرعاه. أن الطفل المصاب بالتوحد يعاني منذ الأشهر الأولى من الحياة بعجز في التواصل مع الأم والأب، كما أن ليس لديه القدرة على ادراك وأستعمال الإشارات العاطفية الصادرة من الأم. أ، عدم القدرة على تعقل التجارب والتفاعل مع الآخرين يؤدي الى عجز الأنسان في فهم عقله الداخلي وأستيعاب عقول الاخرين ونواياهم. من جراء ذلك يبحث عن ما هو سهل التنبؤ به والمتوقع، ويجد ضالته في الأرقام و القوانين والمفكرات وبعص الألعاب.

عند هذه النقطة لا بد من الإشارة الى التاريخ المظلم للطب النفسي والمدرسة التحليلية بالذات التي كانت تركز على دور الإباء و الأمهات في إصابة الطفل بالتوحد.

تبدأ معالجة التوحد بتقييم الطفل أو المراجع بعناية. ولكل طفل مصاب بالتوحد أحتياجاته الخاصة به وخطة العلاج لطفل تختلف عن طفل آخر. السؤال الذي يتم توجيهه من قبل أولياء الأمر هو ما هو السبب؟.

الإجابة على هذا السؤال في غاية الصعوبة ويجب توخي الحذر في تفسير التوحد بصورة عامة. عمر الأب خاصة والأم أحيانا قد يلعب دوره، وهناك دراسات عدة تشير الى أرتفاع الأحتمال الإصابة بالتوحد مع تقدم العمر. أن فترة الحمل في غاية الأهمية وأستعمال عقار فالبرويت Valproate لعلاج الصرع او الثناقطبي له علاقة بالتوحد. أن مرض الام خلال الأشهر الستة الأولى و صعوبات الحمل و الولادة كثيرة الملاحظة أيضا. وهناك قائمة طويلة من الأسباب مثل التعرض الى مبيدات الحشرات والطعام و نقص الفيتامينات٬ ومستعمرات البكتريا في الأمعاء الغليظة. أن جميع الدراسات الأخيرة تبحث عن علاقة إحصائية بين التوحد والعوامل البيئية، لكن أستنتاجاتها ضعيفة ولم يتم تكرارها ولا يمكن الأعتماد عليها.

يبقى عامل الجينات و الوراثة في غاية الأهمية وما نعلمه بأن أحتمال وجود طفل آخر مصاب بالتوحد يتضاعف ٢٥ مرة، وعامل الوراثة بحد ذاته يقترب من ٩٠٪. لا بد من تحويل العائلة الى التشاور في مركز خاص بالوراثة لأستلام النصيحة الطبية السليمة.

هناك برامج علاجية سلوكية مكثفة وخاصة بالأطفال قبل دخول مراكز التعليم ومن أشهرها التدخل المبكر السلوكي المكثف Early Intensive behavioural Intervention EIB بالتعاون مع الوالدين. وهناك ايضاً برامج أجتماعية متعددة لتحسين المهارات الأجتماعية للطفل. أ، مثل هذه البرامج تساعد الكثير رغم أن الدليل العلمي على نتائجها لا يقترب من المثالي و خاصة في أطار السلوكيات المتكررة والأعراض الحسية.

ومما يجدر ذكره أنه لا يوجد عقار لعلاج التوحد، ولا يوجد نظام غذائي يستحق الذكر. أن المعالجة تتضمن تشخيص وعلاج أضطرابات نفسية أخرى مثل الحصار المعرفي (الوسواس القهري) ، عجز الأنتباه فرط الحركة، القلق، والأكتئاب. رغم ذلك فأن استجابة المراجع المصاب بالتوحد لعلاج الأضطرابات الأخيرة أقل من غيره، ومن الأفضل التركيز على الظروف البيئية، وضمان حماية الطفل المصاب بالتوحد وسد أحتياجاته المختلفة، وخاصة التعليمية مع مساندة الوحدة العائلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى