أخبارالجديدمقالات

دور العرب في تطور الشعر الأوروبي.. محاضرة للدكتور عبد الواحد لؤلؤة

دور العرب في تطور الشعر الأوروبي… كان هو موضوع أمسية الثقافة للمنتدى الثقافي العربي في المملكة المتحدة ليوم الجمعة السادس من شهر مايس/آيار 2022… المحاضر هو الدكتور عبد الواحد لؤلؤة.. الشخصية الثقافية المعروفة في عالم الأدب والترجمة والأبداع…أدار الأمسية الدكتور عامر هشام الصفار رئيس المنتدى.
يقول الدكتور لؤلؤة حول موضوع المحاضرة:
هل كان للشعر العربي الأندلسي، والموشح والزجل منه بخاصة، من تأثير في نشوء الشعر الغنائي الأوروبي الجديد، الذي انتشر عبر أوربا، بدءاً من شعر دانته ومن تبعه من أصحاب الأسلوب الحلو الجديد ولغات أوربية تفرّعت عن اللاتينية؟.. ثم يضيف الدكتور لؤلؤة:
«لقد تيسر لي قضاء سنة من التفرغ العلمي في جامعة كمبردج، حيث وجدت في مكتباتها قدراً كبيراً من الكتب والدوريات العلمية التي تعنى بالشعر الأندلسي وبشعر التروبادور وبالعلاقة بين شعر التروبادور باللغة الاوكسيتانية وبين الشعر الأندلسي، في نمط الموشح والزجل. كان علي أن أدرس الموشح والزجل في جذوره المشرقية التي تطور عنها، ومقارنة ذلك بشعر التروبادور الجديد على أوروبا القروسطية، ثم تابعت انتشار شعر التروبادور وفنونه في عدد من اللغات الأوروبية الوليدة. وقد أنتهى بي المطاف إلى الشعر الإنجليزي في ما كتب شكسبير من غنائيات الحب التي تردد أصداء غير بعيدة من غزليات الحب العربية».

وفي مقالة صحفية منشورة في لندن للدكتور عبد الواحد لؤلؤة حول العرب ودورهم في تطور الشعر الأوروبي يقول الكاتب:

يختلط مفهوم الحب مع مفهوم الصداقة عند كثير من الشعوب، والقديمة منها بشكل خاص، إلى حد أنه قد يُساء فهمه ويُساء استعماله. ففي ملحمة كَلكَامش نجد العلاقة بين كَلكَامش وصديقه إنكيدو توصف بأنها حُب في أعلى درجاته يُمثله رثاء كَلكَامش عند موت إنكيدو. وفي التراث الإغريقي القديم نجد مفهوم الحب يتجلّى في شعور سافو أقدم شاعرة إغريقية معروفة تجاه زوجها وابنتها، كما نقرأ في بعض جُذاذات قصائدها المئة والأربع. ربما كان أهم وصف لشعور الحب مشهد الشاعرة وهي تستعطف آفرودايته ربّة الحب والجمال وابنة زيوس كبير أرباب الإغريق، لكي تكون إلى جانبها في حب امرأةٍ قد يكون اسمها آناكتوريا، فتنزل ابنة زيوس من عليائها وتقوم بمواساة الشاعرة العاشقة ّوتطمّنها أن حبيبتها ستعود إليها. لكن بعض مؤرخي الأدب الإغريقي في أواخر القرن التاسع عشر، وبخاصة في أمريكا، فهموا أن هذه العلاقة بين الشاعرة وحبيبتها هي علاقة شذوذ جنسي اخترعوا له إسم «اللزبية» إشارة إلى جزيرة ليزبوس بلد الشاعرة. ولكن الشعراء والمؤرخين الإغريق المعاصرين للشاعرة،مثل آلكائيوس وميلياكَر لم يذكروا شيئاً من هذا القبيل عن سافو. وكان أفلاطون يعتقد أنها ربة الفنون العاشرة.
ومن أمثلة الصداقة- الحب في العالم القديم ما يروى عن أحد ملوك الإغريق القدامى أنه كان له يومان: يوم نَحس ويوم سَعد، فاذا جاءه زائر يوم نحسه قتله وإن جاءه يوم سعده أجزل له العطاء. فجاءه صديقان يوم نحسه هما ديمُن وبثياس فأراد أن يقتل أحدَهما فتدخل الثاني وقال: أقتلني بدله فأنا أحب صديقي ومستعدٌّ أن أُقتل بَدَله فأعفى الملك عنهما وألغى يوم النحس ويوم السعد. ومثل ذلك ما يروى عن النعمان بن المنذر.
ولكن التراث العربي يروي أمثلةً من الحُب أكثر قبولا للعقل ولو أن بعضها فيه من المبالغة ما يدعونا إلى الشك في روايتها. فهذا عنترة بن شداد يصف حُبّه عَبلة، وهو الفارس المغوار البطل الذي «يغشى الوغى ويعفّ عند المَغنم» ولكنه يسجِل على نفسه:
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ/ منّي وبيضُ الهند تقطُر من دمي
فوَدَدتُ تقبيل السيوف لأنها /لمَعت كبارق ثغرِكِ المُتَبَسِّمِ

والشاعر البدوي صريح في التعبير عن الحب:

«وأحبُّها وتُحبُّني/ ويُحبُّ ناقتَها بَعيري».

وفي العهد الأموي نجد الشعراء العذريين يصفون الحب بما يصعب قبوله من الأوصاف في زماننا هذا اللا يوصف.

«أمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى/ أُقبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حُبّ الديار شغلنَ قلبي / ولكن حُبّ من سَكن الديارا

وفي العصر العباسي كان التعبير عن الحب أكثر بروزاً، حتى عند الخلفاء. يروى أن هارون الرشيد، الذي كان يغزو سنةً ويحجّ السنة الثانية، كان يعشق ثلاث من النساء، فنظم الشاعر العباس بن الأحنف (ت. 806 م.) على لسان الرشيد هذه الأبيات:

ملكَ الثلاثُ الآنساتُ عِناني / وحَلَلنَ من قلبي بكلِّ مكان
مالي تطاوعُني البَريّةُ كلُّها / وأطيعُهنَّ وهُنَّ في عصياني؟
ما ذاك إلاّ أن سلطانَ الهوى / وبهِ قَوينَ أعزُّ من سُلطاني

وكان الخليفة الأندلسي الحَكَم الأول (ت. 822م.) معاصراً
لهارون الرشيد، ولا يقصِّر عنه في التعبير عن لواعج الحب كما فهمه:

ملّكنني ملكاَ ذلّت عزائمُه / للحب ذلَّ أسيرٍ موثَقٍ عاني

ثم يتوسع في هذا الموقف فيقول:

ظلّ من فرطِ حُبِّه مملوكا / ولقد كان قبل ذاك مليكا
إن بكى أو شكا الهوى زيدَ ظُلما/ و بعاداً يُدني حِماماً وَشيكا

وفي الأندلس يكاد الحب أن يكون الموضوع الرئيس في كل قصيدةٍ أو موشّح أو زجل. والأصول المشرقية في معنى الحب وفي الموقف منه نجدها في كل قصيدة تقريباً حيث أن بعض الشعراء والوشّاحين يُضمِّنون أعمالهم من مقتطفات من الشعر المشرقي. وبعض الشعر الأندلسي يسمّي الأشياء بأسمائها دون موارَبةٍ أو تورية. هذا لسان الدين بن الخطيب:

جاءت مُعذبتي في غَيهب الغَسَق/ كأنها الكوكبُ الدُّرِّي في الأفق
فقلت ُنوّرتِني يا خيرَ زائرةٍ / أما خَشيتِ من الحُرّاس في الطُرُق؟
فجاوبتني ودمعُ العينِ يسبقُها / من يركبٍ البحرَ لا يخشى من الغرق!

هذا المفهوم عن الحُب بهذه التعبيرات بدءاً من عنتره وشعراء الجاهلية وامتداداً إلى شعراء الأندلس لم يكن يتبع قاعدةً أو توجيهاً وإنّما كان بَدَهِيّاً وعفوَ الخاطر. ولم يكن للحب تعريفٌ مُحدّد، كما نفهم من رواية الأصمعي أنه وجَدَ جاريةً مُعلَّقةً بأستار الكعبة تُنشِد شعرَ غزل وتستغفر فسألها: ما الحب؟ فقالت: «هيهات! جلَّ والله عن أن يُحصى وخفيَ عن أن يُرى. فهو كامنٌ كُمونَ النار في حَجَرها، إن قدَحتَه ورى، وإن ترَكتَه توارى». ولكن كان علينا أن ننتظر ظهور أبي بكر محمد بن داوود الأصبهاني (ت. 909م) ليكتب ببغداد عام 890 كتاباً بعنوان «الزُهَرَة» يضم في جُزئه الأول 50 باباً في كل باب 100 بيت شعر تصوِّر فنونَ الحُب وقوانينَه. وهذه المختارات مُشتقات من «حماسة» أبي تمّام و «حماسة» البُحتري، ومن أشعار بشار بن بُرد وأبي نواس وأبي العتاهية وعمر بن أبي ربيعة والعبّاس بن الأحنف وابن الرومي… وأعقب ذلك كتاب «طُوقُ الحمامة» لإبن حَزم الظاهري (993- 1064) الذي ألّفه في حدود عام 1028م ويحتوي كتاب الطوق على ثلاثين باباً في تفسِّر الحُب مفهوماً مع أمثلةٍ واقعية. ثم جاء آندرياس كابيلانوس، كاهن بلاط الكونتيسة ماري ده شامبين وكتب كتاباً باللغة اللاتينية بعنوان «عن الحب» يكاد يكون نقلاً حرفياً عن كتاب ابن حزم، ويرفع فيه من شأن الحب ويعدّه سبب رفعة الرجل عندما يُحب. وانتشر الكتاب بين مثقفي ذلك العصر لكنه كان يتضارب مع التراث الكلاسي الإغريقي والرومي كما يتعارض مع تعليمات الكنيسة المسيطرة بعلى الثقافة. فهذا خطيب أثينا ديموسثينيس يهاجم المرأة ويحط ّمن قَدرها. وهذا أوفيد في كتابيه «فن الحب» و «علاج الحب» لا يقل هجوماً على المرأة واستخفافاً بها. لكن التراث المشرقي العربي كان الأساس في الثقافة الأندلسية وكانت أمثلة الشعر فيه على النقيض من الموروث الكلاسي. ولأن المجتمع الأندلسي يقوم على التفاهم بلغتين العربية و «لطينية» الأندلس كان من السهل انتقال مظاهر أدب العرب الذي اتخذ طابعاً أندلسياَ وظهرت أول بوادره مع أول شاعر من أهل البلاد من إقليم بروفانس في الجنوب الغربي من فرنسا الحالية. كان ذلك الشاعر كَيوم التاسع ( 1071- 1127) الذي أُعجب بما سمع من الموشحات الأندلسية والأزجال ولم يكن ذلك صعباً لتوفر المتكلمين باللغتين. وقد ترك لنا هذا الشاعر 11 قصيدة باللغة البروفنسية وهي إحدى اللهجات المنسلخة عن اللاتينية. نلاحظ في هذه القصائد استعمال القافية وهي أول مرّة تظهر فيها القافية بشعر أوروبي لأنها لم تكن معروفة في التراث الكلاسي. ثم إن موضوعات هذه القصائد هو الحب الدنيوي الذي يُعلي من شأن المرأة مما أثار عليه جميع المعنيين بالثقافة، لأن موقفه كان ضد الأعراف السائدة وضد التعاليم الكنسية بالدرجة الأولى. ومن هنا انتشر هذا الشعر الجديد والموقف من المرأة والحب الدنيوي بتأثير مباشر من الثقافة العربية المشرقية في صيغتها الأندلسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى