الجديدمقالات

في لقاء مع المفكر اللبناني علي حرب: الأنسان أصل المشكلة

سلمان زين الدين

  يشغل المفكّر اللبناني علي حرب موقعًا مهمًّا على خريطة الفكر العربي؛ وهو موقعٌ راح يراكمه طوال نصف قرن من خلال كتابة الدراسات، وتأليف الكتب، وعقد الندوات، وحضور المؤتمرات، وطرح الأسئلة، والبحث عن المعنى، وسواها من الأنشطة الفكرية، وهي أنشطة تمخّضت عن ثمانية وعشرين كتابًا حتى الآن في حقول الفكر المختلفة. وهو في هذه الكتب يقرأ الواقع ويقوم بتفكيكه، ويستشرف المستقبل ويقترح إمكانات تحقيقه. وخلال هذه العملية المركّبة، يبتكر الكثير من المصطلحات والمفاهيم، ويعيد النظر في كثير من المُسْبَقات، ويشتغل على تطوير عدّته المنهجية بأستمرار، بما يجعل العمليّة الفكرية تُؤتي ثمارها، وتدنو قطوفها.

  بمناسبة صدور كتابه الثامن والعشرين «الإنسان على المحك» عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، كانت لنا هذه الإطلالة على بعض المحاور التي تشغله في هذه اللحظة التاريخية.

الإنسان أصل المشكلة
● تجنح  في معظم مؤلفاتك إلى تحميل الإنسان مسؤولية ما يعانيه، معتبرًا أنه أصل المشكلة، وأن المشكلة تكمن في الإنسان نفسه. هل يمكن أن يكون الإنسان هو الحل؟ وكيف يحصل ذلك؟
  – كانت الحرب في لبنان حدثًا فاصلًا نقلني من طور إلى آخر، بعد أن اكتشفت، من وراء ضجيج الشعارات وزيف الدعوات، أنّ كلّ ما كان يجري على الأرض هو عكس ما كان يُطرح من عناوين ثورية لتغيير الوضع القائم. بذلك تحرّرت من سجون الأيديولوجيا، وتشكّلت لديّ عين نقدية حملتني على إعادة النظر في مجمل قناعاتي الفكرية ومواقفي السياسية. ولا شكّ أنّه كان للأشتغال بالفلسفة، التي هي في الأصل نشاط نقدي عقلي تنويري، أثره الفعال في تغيير نظرتي إلى العالم. ثمّة أناس لم تبدّل الحرب حرفًا في قناعاتهم، بل زادتهم إيمانًا وتعصّبًا وعماية.
أقول ذلك لأنّ الفيلسوف شاغله الكلام على الكائن والحياة والإنسان، أو على العقل والهوى والفضيلة أو على المجتمع والعدالة والحرية، وسواها من مفردات الوجود، وبما يتعدّى الأنتماءات الهويّاتية والتصنيفات الأيديولوجية إلى طوائف ومذاهب أو إلى مدارس ومعسكرات.
قد يدافع الفيلسوف عن هويّته، لكن مهمّته الأولى هي أن ينتج مفهومًا عن الهويّة يُعنى به كلّ ذي هويّة. وقد يدافع عن الحرية، لكنّ الأَولى به التحرّر من سلطة أفكاره وأوهامه في مقاربته للمسائل. كذلك قد يدافع عن حقوق الإنسان، لكن ما يُنتظَر منه أن يفسّر لنا كيف أنّ الناس لا يحسنون سوى أنتهاك المبادئ والإساءة إلى الحقوق. وتلك هي المشكلة، كما تصدمنا تجارب التحرير والتغيير: تحوّل المظلوم إلى ظالم والضحية إلى جلّاد.
من هذا المنطلق كان أنخراطي في نقد الإنسان، منذ بدأت أكتب على وقع الحرب التي فتكت ببلدي لبنان: أن أفتح ملف إنسانيتنا كما صنعتنا بمفردات النخبة والقداسة والعظمة والمركزية والنرجسية، وغيرها من المقولات التي كانت تحتاج إلى أن توضع على مشرحة الكشف والتعرية، إذ هي مكمن العلّة ومصدر المشكلة. من هنا تتردد في كتاباتي مقولة إن الإنسان هو المشكلة بصيغها المختلفة والمتعدّدة. 
لنتوقّف عند مركزية الإنسان كما جسّدها الأنبياء والفلاسفة، سواء بالقول إن الله سخّر كلّ ما خلق لمنافع البشر، أو بالقول إن الإنسان هو سيد الطبيعة ومالكها. هذه المركزية هي مصدر ما نعانيه من تخريب للطبيعة بتلويث البيئة وأستنزاف الموارد وإبادة الأنواع الحية وتغير المناخ على نحوٍ مقلق ومرعب. هذا ما يقوم به الإنسان بنسختيه: الإنسان الديني الذي خلق آلهة وسخّرها لأهوائه ونزواته، والإنسان العلماني الذي تألّه وتعالى وتكبّر. والمخرج هو أن نمارس التواضع الوجودي لنقيم علاقات جديدة مع الطبيعة، تقوم على التوازن والتكامل والرعاية، بحيث نعترف بأنّ لكل كائن، حيوانًا كان أم نبتة، نهرًا أم مرجًا، حقّه في الحياة وقسطه من الوجود.

● هل أنت متفائل في هذا الخصوص؟
– يجب ألّا نيأس، فالضغوط التي تمارسها هيئات الحفاظ على البيئة، والمؤتمرات التي يعقدها العلماء بين الفترة والفترة، لتحذير البشر من أنّهم إذا استمرّوا على هذا النمط المتصاعد في الإنتاج والاستهلاك فسوف يجعلون الأرض غير صالحة لا للإقامة ولا للوراثة. كلّ ذلك قد يسهم في دفع الإنسان لتعديل سلوكه، تداركًا للكارثة، مع أعتقادي بأنّ ذلك يحصل بصورة بطيئة وعلى المدى الطويل. فالبشر، كجموع، وكما تشهد جائحة كورونا، تغيّرهم المخاوف والكوارث والخرافات أكثر مما تغيّرهم الحقائق العلمية والأفكار المجرّدة.

● التحوّلات التي يشهدها الواقع بفعل الأوبئة والحروب والأنهيارات في غير مكان من العالم تتعدّى قدرة الفكر على أستيعابها، وأجتراح الحلول لها. ما الذي يستطيعه الفكر والمفكّرون في عالم يتّجه كلّ يوم بيديه ورجليه، إلى الهاوية؟
– الفكر هو ميزة الإنسان، بل حيلته إذا شئنا أستخدام هذا المصطلح القديم بوصفه يجمع بين القدرة والتحوّل. وهكذا بوسع الإنسان أن يتغيّر ويغيّر واقعه أو يصنع عالمه بأبتكاراته وأختراعاته، من اللغات والشيفرات أو الأدوات والتقنيات أو المواد والعناصر أو المعارف والعلوم أو الجمعيات والمؤسّسات أو الشبكات والمنصّات.
   بهذا يتميّز الإنسان عن سلفه الحيوان، بمعنى أنّه ليس مجرّد كائن يخضع لقوانين الغريزة أو للحتميات الصارمة. إنّه مشروع أكثر ممّا هو برنامج، أي عالم من الممكنات مفتوح على الأحتمالات والمفاجآت، بما يتمتّع به من الذكاء والحيوية والمرونة والقدرة على الخلق والخرق أو التدخّل والتوسّط أو التداول والتبادل. هذا ما يجعله في سبق دائم على نفسه، وتلك هي حريّته، بل أزدواجيته، كما تتجسّد في هذه المساحة التي تتيح له الأرتداد على ذاته بالفحص والنقد، بالتحليل والتفكيك، بالتخيّل والتركيب، بالتحويل والتجاوز.
هذه الأزدواجية هي منبع الإمكان ومصدر القوة. بها قد يصنع الإنسان المعجزات كما تشهد المآثر والمنجزات في مختلف وجوه الحياة وميادين النشاط الحضاري. لكن لا يجدر بنا أن نغرق في نرجسيتنا ونتباهى بعظمتنا، فلكلّ شيء وجهه الآخر. وإذا كان الإنسان يتقدّم، فإنّه قد يتراجع ويعود على عقبيه، لكي يصنع الحرائق والخرائب أو الأنقاض والمقابر كما تشهد الحروب وأسلحة الدمار الشامل. 
   وها هو الإنسان يشهد على نفسه بنفسه، فمشاريعه وأعماله وصنائعه تكاد تتجاوزه وتفلت من سيطرته، كما تشهد الكوارث البيئية، وكما تشهد أيضًا الأزمات المتلاحقة، الأقتصادية والمعيشية، الصحية والأمنية، السياسية والثقافية.

● ألا يبعث ذلك على اليأس؟
 – الأحرى القول إن ما يحدث ويصدم مدعاة إلى ممارسة التقى الفكري الذي هو الوجه الآخر للتواضع الوجودي. وكما أن التواضع يكسر نرجسية البشر من حيث علاقتهم بالطبيعة، فإنّ التقى الفكري يكسر نرجسية البشر من حيث علاقتهم بعضهم ببعض، بحيث نعمل على خفض السقوف الرمزية العالية، حتى لا تشطح بنا تشبيحاتنا المثالية أو نغرق في تهويماتنا الطوباوية. فنحن أدنى شأنًا بكثير مما ندّعيه من حيث علاقتنا بالقيم والمبادئ. هذا ما عبّرت عنه بصوغي مفهوم الإنسان الأدنى، إذًا لا نثق كثيرًا لا بأنفسنا ولا بغيرنا، وبخاصّة أصحاب المشاريع والدعوات، علمانيين ولاهوتيين، ممّن يزعمون أنّهم يمتلكون مفاتيح الخلاص، وأنّهم الأحق والأصدق أو الأجدر والأصلح، فكان المآل ترجمة الشعارات بأضدادها، كما تفيد التجارب المريرة لدى الذين وعدوا بتحرير الشعوب لقودها إلى فقرها أو إلى حتفها.

● كيف نخرج من هذا المأزق؟
 – أنا من القائلين بأن الإنسان ما كان يومًا إنسانويًا، لأنّ أصله حيوان، لذا تتغلّب عنده دومًا الغرائز والأهواء على الفضائل والقوانين، أو على الشرائع والنبوّات. والمخرج هو المراجعة النقدية التي هي مهمّة دائمة، لقد أحرز الإنسان تقدّمًا هائلًا في مجال العلوم والتقنيات، مكّنه من تغيير مجرى الطبيعة، بما فيها طبيعته، كما نجح في أرتياد الفضاء وصولًا إلى المرّيخ. لكنه لا يتقدّم كثيرًا في مجال القيم والحقوق، بل يعود دومًا إلى نقطة الصفر، بل إلى الحضيض الأسفل، لأنّ الأصل هو الهوى والتعصّب والطمع والتكالب والكره والعداء… أمّا قواعد التعقّل والتواصل والعدالة والحرية والسلام، فهي قشرة حضارية يسهل أنتهاكها أو تمزيقها، لهذا فهي تحتاج على الدوام إلى إعادة البناء على سبيل التعزيز والتفعيل وإعادة الترميم والتعويم. فحالنا معها كحال سيزيف مع صخرته، كلّما صعد بها إلى القمة تدحرجت إلى الأسفل.

● تشير في مقدمة «الإنسان على المحك» إلى عجز المصطلحات عن تفكيك الواقع العالمي المأزوم، في هذه اللحظة التاريخية المثقلة بالأزمات والتحدّيات، وعجزها عن فتح الكوى في جدران الأزمة. هل نحن بحاجة إلى مصطلحات ومناهج جديدة لقراءة الحاضر واستشراف المستقبل؟
  – لا مهرب من تغيير العُدة الفكرية، إن في المصطلح والمفهوم، أو في الصيغة والنموذج أو في الطريقة والآلية أو في الأساليب والوسائل… وإلّا سنعيد إنتاج الأزمات بشكلها الأسوأ والأخطر والأرهب.
لنتوقّف عند آفة البربرية. ومثالي على ذلك هو بلدي لبنان، الذي كان يسمّى سويسرا الشرق، ثم غرق في حروبه الأهلية بأبشع مظاهرها، كما تجسّد ذلك في الخطف والقتل على الهوية، حتى تحوّل اللبناني، بسبب هويّته، إلى قاتل أو مقتول، إلى جلّاد أو ضحية.
هذا ما حملني على وضع مسألة الهويّة على مشرحة النقد والتحليل، لتفكيك وتعرية الصور والنماذج أو العقد والحساسيات أو التصنيفات والتقييمات التي تحوّل الهوية إلى قوقعة أو إلى معسكر ومتراس.
هذا الأمر أقتضى كسر منطق التعامل مع الهويّة بمفردات الأصل والعنصر والصفاء أو بمقولات الماهية الثابتة والمماهاة التامّة، لفتح المفهوم على مفردات التعدّد والتنوّع أو الفرق والأختلاف أو الأزدواج والتعارض، مما يجعل الهويّة تركيبة ملتبسة أو توليفة هجينة تبنى أو تنسج من تعدّد المكوّنات والعناصر، أو أختلاف الأطر والدوائر، أو تراكم الطيّات والأطوار، أو تنازع الميول والأهواء.  من هنا تتردّد في كتبي أقوال مثل: هويّتي هي شبكة علاقاتي ومختبر تجاربي، بقدر ما هي صيرورة تحوّلاتي وحصيلة أزمنتي وأمكنتي. وهي منسوجة من الفروقات أو مفتوحة على المفارقات، بقدر ما تضعني دومًا على المفترقات. 

الكتابة النقدية والهوية
● ألا تتقاطع بذلك مع كتاب «الهويات القاتلة» لأمين معلوف؟
– أنا من الذين انخرطوا في الكتابة النقدية حول الهويّة، كوجه من وجوه نقدي للإنسان، قبل معلوف بسنوات، مع فارق أنّ كتابات معلوف ذات طابع أيديولوجي نضالي، في حين أنّ مقارباتي أعادت صوغ مفهوم الهويّة بأدوات النقد الفلسفي والمنطقي، حيث حاولت أن أبيّن أنه لا كائن يتساوى مع معناه، ولا ذات تتماهى مع ذاتها، كما لا هويّة تقيم في ذاتها أو تكتفي بذاتها. هذا ما تشهد به عناوين كتبي ومقالاتي: خطاب الهويّة، الهويّة والمغايرة، الهويّة المركّبة، الكينونة المزدوجة… بذلك تنكسر ثنائية المماهاة التامّة والمغايرة الكلية بفتح مفهوم الهوية على مفردات العلاقة والنسبة أو الرابطة والإضافة. من هنا قولي أنا صاحب هوية مركّبة، ملتبسة، إشكالية، بتعدّد وجوهها وأبعادها وأطوارها. 
لذلك لم أستخدم عبارة الهويّات القاتلة، التي هي مفهوم ضعيف. وإنّما أستخدمت عبارة الاستراتيجيات القاتلة أو الأصوليات القاتلة. فالهويّة هي كأي شيء، سيف ذو حدّين. قد تُعامل بوصفها حقيقة مطلقة، أو مُسبَقة تقف وراء المرء كعبء أو عائق أو عُصاب، لكي تنتج الفقر والتخلّف أو تولد النزاعات والحروب أو الكوارث لأصحابها وللغير.
ثمّة خيار آخر، قد تُعامَل الهويّة بوصفها أمام المرء، بحيث تُمارَس بصورة حيّة، منفتحة، متحوّلة، راهنة، لكي تولّد مساحات اللقاء والتبادل مع الآخر، بقدر ما تتيح لصاحبها أن يمارس علاقته بوجوده على سبيل الأستحقاق والثراء والأزدهار.

● كيف تفسّر إذًا موجات التعصّب والتطرّف لدى الحركات الراديكالية التي تفاجئنا من حيث لا نحتسب؟
– هناك أوّلًا الجهل، جهل الإنسان بأنّ هويّته ليست مماهاة خاوية مع الذات، بل هي نسبة إلى الآخر أو إضافة أو رابطة أو تعلّق… بهذا المعنى فهويتنا هي علاقتنا بالآخر بوجه من الوجوه. فالآخر هو صنيعتنا كما نحن صنيعته. قد يكون وجهنا الآخر الذي نجهله، أو ما نريد أن نكونه ونعجز عن ذلك، أو ما كنّاه، ومن حيث لا نحتسب.
هناك سبب آخر هو الجهل بالواقع العالمي الآخذ في التشكّل. نحن ندخل الآن عصر الأعتماد المتبادَل حيث تتشابك المصالح والمصائر وتتعولم الهويات، كما تتكاثر اليوم الهويات متعدّدة اللغة والجنسية أوالإقامة والمهنة.
والدرس المستخلَص هو أنّ منطق الأنفراد والأستئثار أو الأستقواء والصدام مآله في هذا العصر الضرر والخسران والدمار المتبادل. والمخرج هو إدارة العلاقات بين الواحد والآخر، فردًا كان أم مجموعًا، بقواعد الحوار والتعاون والتداول والشراكة.

● ألا تعتقد أن الشراكة قد تحولت إلى ما يشبه الحلّ السحري بواسطة الكلمات؟
– ملاحظتك الثاقبة في محلّها. هذا ما تشهد به المباحثات الفاشلة التي تجري بين أطراف النزاع في غير بلد، وبخاصّة في العالم العربي، وبنوع أخَصّ في لبنان، حيث الحوارات تصل إلى الباب المسدود أو إلى عقد تسويات هشّة أو مؤقّتة تنتظر ساعة الانفجار.
وعلّة ذلك أنّ المباحثات تجري بعقلية المحاصصة لأقتسام ما هو موجود من الموارد والمقدّرات، وذلك حيث كلّ طرف يخشى من الآخر على ما يعتبره حصّته وحقوقه أو موقعه ودوره. 
إن الشراكة لا تنجح ولا تثمر نموًّا أو وحدة وطنية، بل تتحوّل إلى دوران في الحلقة المفرغة، ما لم تتم إدارتها بعقول ديناميكية خلاقة يمتلك أصحابها القدرة على أجتراح أو أبتكار أو أفتتاح ما يحتاج إليه الأتفاق والتعاون أو التضامن، من اللغات الجامعة والمساحات المشتركة، أو من حقول الأستثمار ومجالات التبادل. كان مهاتير محمد، صاحب التجربة الناجحة والفائقة في ماليزيا يقول: لا تنمية بلا أبتكار أفكار. وبالوسع الإضافة على سبيل توسيع الإمكان: لا شراكة بلا خلق موارد جديدة.

● تتحدّث عن مصطلحات يستخدمها أصحابها لتعطيل القيم والقواعد والمبادئ مثل مصطلح «الحقائق البديلة» أو لتبرير رفضهم مفاهيم الحداثة وقيمها ونُظُمِها مثل مصطلح «ما بعد الحقيقة». كيف يمكن مواجهة هؤلاء ومصطلحاتهم بما يعيد للقيم قيمتها وللحداثة مجراها؟
  – أميز هنا بين مصطلحين:
الأول هو «ما بعد الحقيقة»، والثاني هو «الحقائق البديلة». وهذا الأخير طرح خلال حملة ترامب الرئاسية عام 2015، وكان القصد منه التلاعب والحجب أو التزييف والتضليل، في ما يخص المعلومات والمعطيات أو في ما يخص الحقائق العلمية المثبتة بالتجربة والحجة. والذين أطلقوا هذا المصطلح رموا من ورائه إلى تبرير أو توسيع، ما شاء لهم ذلك، من السياسات والممارسات العنصرية أو الفاشية أو الشعبوية للعودة عن مكتسبات المشروع الحداثي التنويري.

● لكنّك من نقاد هذا المشروع، بل إنّ شهرتك قامت على نقده وتفكيكه؟
– جوابي أنّني أنتقد الحداثة لا للعودة إلى ما قبلها، إلى عصور اللاهوت والتعصّب والانغلاق للتمترس وراء الهويات الطائفية أو العرقية، فمن أعطال الحداثة أنها تعاملت مع عناوينها بعقلية تقليدية أو لاهوتية، أصولية أو أحادية، الأمر الذي أفضى إلى أستهلاكها أو تلغيمها.
   من هنا فإن المراجعة النقدية لهذا المشروع تفتح الإمكان لتجديده وتطويره أو لتوسيعه وإثرائه، بتجاوز الثنائيات الخانقة، وكسر التطابقات الخاوية، أو بتفكيك الأنساق المغلقة والنماذج الأحادية.
والدرس المستخلص من نقد الحداثة هو التخفّف ممّا سمّيته التهويمات الطوباوية والتشبيحات المثالية. فلا توجد عصور فردوسية أو حلول قصوى. لكلّ عصر ظلماته، كما لكلّ عقل خرافاته، ولكلّ مجتمع فضائحه كما لكلّ سلطة استبدادها، ولكلّ كلام طيّاته ومنسيّاته، كما لكلّ خطاب صمته وفراغاته.

● كيف ينعكس ذلك على مفهومنا للحقيقة التي هي بمنزلة شغلك الشاغل؟
– لاشكّ أن النقد طال مختلف العناوين، وعلى رأسها مفهوم الحقيقة الذي جرى تفكيكه، لفتحه على ممكناته وأحتمالاته، وهذا النقد للحقيقة، الذي هو وجه من وجوه نقدية للحداثة، تحت مسمّى ما بعد الحداثة، هو ما سُمّي بعد عقود: ما بعد الحقيقة.
وأيًا يكن، فعلاقتنا بالحقيقة لم تعد تُفهم بمفردات الماهية والمماهاة أو التعالي والثبات أو المطابقة والقبض، وإنّما تبنى بمفردات الخلق والفتح والتحوّل أو القراءة واللعب والرهان.
بذلك تمّ إنزال الحقيقة عن عرشها الأيقوني وسمائها المتعالية إلى أرض الواقع بتعقيده وألتباسه، كما تمّ الأنتقال من المطابقات الخاوية لـثالوث الذات والفكر والحقيقة إلى ثالوث القراءة والواقع والخلق.
هذا ما بوسعنا فعله: أن ننخرط في لعبة الخلق بمواجهة ما لا ينفكّ ويتحوّل، أن نقرأ ما لم يُقرأ في ما يقع، ممّا هو مفاجئ وغير متوقّع، بخلق وقائع في هذا المجال أو ذاك، على نحو مبتكر وغير مسبوق نتحوّل بها عما نحن عليه، لكي نغيّر خريطة المشهد وبنية الواقع، على هذا المستوى أو ذاك.

العالم العربي… موارد هائلة
● يعاني العالم العربي اليوم ممّا يسمّى «ثالوث الاستبداد والفساد والإرهاب»، ما يحول دون أي تغيير حقيقي فيه، فهل ثمّة إمكانية لفتح كوّة في هذا الجدار الصلب؟ وكيف يمكن أن يتحقّق ذلك برأيك؟
– أنا من القائلين بأن العالم العربي لا يحتاج إلى مساعدات من الخارج، لأنّه يملك موارد طبيعية هائلة هي فريسة الهدر والنهب، ويمتلك موارد رمزية يجسّدها تراث غني ينتظر من يشتغل عليه لتحويله إلى عملة راهنة في مواجهة الأزمات والتحديات. فضلًا على ذلك هناك المواهب التي يجسّدها خريجو الجامعات ممّن لا يجدون فرصًا للعمل.
لذا فما ينقص ليخرج العرب من حالة العجز والهامشية إلى طور الإنماء والتقدم هو تشغيل الطاقات الفكرية وأستثمار الموارد البشرية أو الطبيعية، على نحو يتيح أجتراح الإمكان وفتح الآفاق أو الأبواب والفرص.
لنتوقّف عند الصين التي حقّقت قفزة غير مسبوقة في مجال النمو الاقتصادي، حيث إنها ابتكرت صيغتها بتخلّيها عن ديانتها الحديثة، كما تجلّت في العقيدة الاشتراكية، لكي تتبنّى منطق السوق الرأسمالي الليبرالي، لكن مع أحتفاظها بنظامها الشمولي الأحادي والديكتاتوري. فهل تشكّل الصين نموذجًا للعرب في ظل ثالوث الاستبداد والفساد والإرهاب الذي يعطّل محاولات النهوض والإصلاح والتغيير؟
ما أراه أنّه لا خروج من حالة العجز والأنسداد من دون فتح إمكانيات جديدة، وعلى نحو تنكسر معه ثنائية التقديس للماضي أو التقليد لما عند الغير من النماذج. فلا نموَّ ولا تقدّم من غير أبتكار للرؤى المستقبلية والصيغ الملائمة أو الأستراتيجيات الفعالة. لا أحد ينوب عن أحد في حلّ مشكلته أو تحسين مستوى عيشه. والرهان أن يتمكّن كلّ بلد عربي، من أبتكار ما يتيح له صنع نفسه للمشاركة في صناعة الحضارة من الأفكار الحية والخصبة، الراهنة والفعالة.

● ما زلنا أمام المأزق أو اللغز: كيف لأفكار المفكرين أن تغير الواقع؟
– هذا السؤال يذهب بنا إلى أساس المشكلة. وإذا كان ثمّة درس يستخلص من الإخفاقات عندنا وعند سوانا، فهو أن نقتنع بأنّ التفكير الحي والفعّال لا يحتكره الفلاسفة والعلماء والخبراء، فما دام التفكير هو ميزة الإنسان، فإنّ ما يُنتظَر من كلّ واحد هو أن يُشغّل طاقته الفكرية، خاصّة أنّه مع الدخول في عصر المعلومة والشبكة والمنصّة والتغريدة، لم يعد الفرد مجرّد مؤمن أو مواطن سلبي يتلقّى التعليمات وينفّذ الخطط، وإنّما أصبح يمارس دوره كلاعب فاعل، له معرفته وخبرته كمنتج بل كمبتكر، وله إسهامه في طرح رأيه وتقديم اقتراحاته في ما يخصّ مقاربة المشكلات ومعالجتها.
مثل هذا التغير ينقلنا من المنطق الكلاسيكي الصُّوري، منطق المطابقة والتطبيق، إلى المنطق التحويلي العلائقي، التبادلي، حيث المجتمع هو شبكة تأثيراته المتبادلة وصيرورة تحولاته المتواصلة، وحيث الفكرة تخضع للتحول، فتتحول هي نفسها وتحول الواقع، بقدر ما تحول من يطلقونها أو يتداولونها في حقول التجربة وميادين الممارسة. ها هنا المحك والرهان لصنع الإمكان.
من هنا أدعو إلى عدم استخدام كلمة «مفكّر» للعاملين في حقول الفلسفة وعلوم الإنسان ومختلف حقول المعرفة، بحيث يسمّى كلّ فاعل بحسب اختصاصه، كما هي الحال في البلدان الغربية، فيلسوف أو عالم اجتماع أو نفس أو اقتصاد… فلقب المفكّر الذي نطلقه على فئة الناس هو مصطلح نخبوي يبنى على احتقار الناس، بدعوى أحتكار الحقيقة أو التفكير. ومن المفارقات في العالم العربي، أننا نستبدل كلمة فيلسوف، للعاملين في حقل الفلسفة، بكلمة مفكّر، للتقليل من شأنهم، أي كونهم غير منتجين في مجال اختصاصهم.

الفكر بداية إصلاح الخلل العربي
● في معرض تحديدك تمظهرات الخلل في العالم العربي، تقول إن «الخلل مصدره الفكر بالدرجة الأولى». فهل يكون الفكر البداية لإصلاح الخلل وتمظهراته؟ وكيف يمكن أن يتمّ ذلك؟
– إنّه الإنسان الليبرالي بالمعنى الوجودي والفلسفي، لا بالمعنى الأقتصادي والرأسمالي. هو الشخص الذي يحتفظ بأستقلاليته ويفكّر بحرية بعيدًا عن المصادرات والوصايات، سواء من حيث علاقته بهويته وتراثه وأنتمائه، أو من حيث علاقته بما يطرح من مشاريع سياسية أو أيديولوجية.
وأنا لا أؤثر أن أتحدّث عن نموذج جديد، فالذي يفكّر بصورة حرّة ومستقلّة، ولو كان يدافع عن هويّته أو حريّته، لا يستعبده اسمٌ أو أصلٌ قديم، ولا يستعمره مذهبٌ أو نموذج حديث، وإنّما يفكّر بكسر القوالب والنماذج والأنساق والأُطر في مواجهة الأزمات والتحدّيات والتحوّلات، لتجديد عدّته الفكرية.
هذا ما نحتاج إليه في مقاومة الأبله الثقافي، الذي لا يحسن سوى المماهاة والمصادقة من حيث علاقته بزعيمه الأوحد أو قائده المرشد وبطله المنقذ. وهذا أيضًا ما نحتاج إليه في مواجهة المشعوذ التراثي الذي يسطو على المعارف التي تنتجها الجامعات ومراكز البحث في الدول الغربية لكي ينسبها إلى الإسلام والقرآن. ولا أنسى الديناصور الحداثي الذي يتخيّل مستقبل العرب كماضي أوروبا، بقدر ما يريد لنا أن نفكّر كديكارت وروسو أو كانط وهيغل وماركس، فيما المنتظر منه أن ينخرط في نقد الحداثة، لكي يسهم في صنع حداثته، على سبيل تطوير المفاهيم والعناوين التي يجترّها منذ عقود.

في نقد المثقف الغربي
● أراك تتناول في نقدك المثقّف الغربي.
– بالطبع إن نقدي للمثقّف عامّةً إنّما يطول بالتأكيد المثقّف الغربي. هناك فلاسفة وأدباء كبار، مثالهم الأبرز هو جان بول سارتر، قد أسدلوا الستار على عقولهم، وتخلّوا عن سلاح النقد، من حيث دعمهم للأنظمة الشمولية كالستالينية والنازية والماوية.  هل أنا أظلم المثقّف؟
إن المثقّف هو الذي يظلم نفسه، لأنّه يتحدّث عن واقع لا يعرفه، أو يدعو إلى قيم هو أوّل من ينتهكها. من الأمثلة على ذلك أن المثقّفين في لبنان أو في غير بلد عربي، قلّما نجحوا في امتحان الديمقراطية، كما تشهد الأنتخابات التي يجرونها في أتحاداتهم وروابطهم. 
مقابل ذلك نجد أن أصحاب المهن الحرّة من محامين ومهندسين وأطباء، وبخاصّة في لبنان، ينجحون في إدارة شؤونهم النقابية، بإجراء أنتخابات تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وعلّة ذلك أنّهم لا يتصرّفون كدعاة، بل يديرون شؤونهم المهنية بعقل نقابي، مدني، تداولي. أما المثقّفون فإنّهم يفشلون في ذلك، لأنهم يتصرّفون كدعاة ومنظّرين أو كحرّاس للحقيقة والقيم.
أما المثال الفاضح والبليغ هو النهاية الكارثية التي آل إليها المشروع الاشتراكي في اليمن الجنوبي، بعد تحرّره وأستقلاله. فأصحاب هذا المشروع فشلوا في إدارة الشأن العمومي، بل تنازعوا وأقتتلوا، وكانت النتيجة مجزرة بشرية أرتكبت عام 1986، وبذلك قدّموا شهادة على جهلهم المركّب بأنفسهم وبالواقع اليمني، وبمآلات أفكارهم وتداعياتها.
   وعلّة ذلك هي منازع التألّه والوحدانية. ولا يمكن لإلهين أو ثلاثة أن يجتمعوا ويتحاوروا بمنطق العقلنة والشراكة، لأنّ المتألّه هو بالتعريف ضد منطق الحجّة والمداولة والشراكة.  وهكذا، فالإخفاق يطول المشاريع الثقافية لدى النخب، إن في العالم الغربي أو في العالم العربي. مع فارق أنّ المثقّفين الغربيين يعترفون بالفشل، عندنا يعاندون ويكابرون.
والمخرج أن يكفّ المثقّف عن ممارسة دور الوصاية والأستذة على الدول والمجتمعات، بدعوى أنّه يحتكر المعرفة الشاملة بكلّ القضايا والمشكلات، فبعد كلّ هذا التراجع، ما يُنتظَر منه أن يعيد النظر في مهمّته ودوره. لم يعد هو المالك لمفاتيح الخلاص. 
هناك فارق بين المهنة المعرفية والمهمة الإصلاحية، بين التحليل والتنظير، وبين تركيب الحلول وإيجاد المخارج.
يمكن للفلاسفة والعلماء والخبراء، أن يستثمروا مواهبهم النظرية وأدواتهم المنهجية وعدّتهم المفهومية في تحليل الظاهرات أو تفكيك المشكلات أو عقلنة التجارب، لكن الحلول ليست بيدهم، وإنّما هي عمل يومي، ميداني، قطاعي، يشارك فيه الجميع كلٌّ بحسب اختصاصه ومجال عمله. ولكلّ فاعل دوره ولو لم يكن عالِمًا أو صاحب شركة أو مدير مؤسّسة. كلّ فاعل له إسهامه في أعمال الإنماء والبناء، بإطلاق فكرة أو تقديم أقتراح للمناقشة والمداولة، ومن لا يفعل بصورة إيجابية بنّاءة، إنّما يفعل على سبيل السلب والتعطيل أو التخريب.
   بهذا المعنى، لم يعد تغيير المجتمعات يتوقّف على نخب سياسية أو فكرية تفكّر في أبراجها وقواقعها، أو تُسقِط أفكارها المجردة من على الواقع بمتاهاته وأفخاخه وتفاصيله الشيطانية. والمؤدّى هنا أنّ المجتمع يغيّر نفسه بنفسه، بتعدّد حقوله وقطاعاته وعلى أختلاف قواه وفاعلياته، بحيث يكون لكلّ فاعل أو لاعب دوره في أعمال الإنماء والبناء.

● ألا تنسف دور المثقف كحارس للقيم؟
– إن الوجه الآخر لكسر منطق الوصاية الفاشلة على مشاريع النهوض والإصلاح، للعمل بمنطق المداولة والشراكة، هو كسر النرجسية، التي توهم المثقّف بأنّه يجسّد قيم الحرية والعدالة والمساواة. إنّها أكذوبة تبعث على الضحك أو على السخرية أن نصدّق بأنّ المثقّف يحرص على قول الحقيقة، أو يهمّه الدفاع عن حقوق المهمّشين والمقهورين، أو عن الحريات الديمقراطية.
هذه شعارات يتعيّش عليها المثقّفون ويختبئون وراءها، كما تتعيّش أنظمة الاستبداد والفساد على دعم القضايا التحرّرية ومقاومة الدول الكبرى. الأولى بالمثقّف أن يعيد النظر بمهمّته كحارس للقيم. فما يحصل من مفاسد ومساوئ وانتهاكات، ليس لأنّ المثقّف يمنع من ممارسة دوره. بالعكس، فالمثقّف هو جزء من الأزمة وعَرَض من أعراضها. ومن المفارقات أنّ المثقّفين يدعون إلى الثورة على الأوضاع في كلّ الحقول والقطاعات، وأخصّها السياسة والمال والدين، فيما هم يتناسون أو يجهلون بأنّ مجتمعهم الثقافي هو مجتمع متخلّف، عفن، ينخره الفساد، وبات بحاجة إلى تغيير يطال أسسه ومعاييره وقواعد اشتغاله وتعاملاته وشبكات مصالحه، إذ هو ليس أفضل من مجتمع الساسة، بل وجهه الآخر.

● مرة أخرى أراك تقسو على المثقف؟
– إنّ نقد الإنسان لا يقتصر على نقد السلطات السياسية والدينية، أو المالية والإعلامية، وإنّما يطول بالدرجة الأولى المثقّف، لأنّه يعني أنه لا حصانة لأحد ولا خيمة فوق رأس أحد، في ما يخصّ تمثيل القيم أو حراستها. فللنفس طيّاتها ولغوناتها وصمتها، ولها مخاتلتها ونزواتها وسقطاتها. ولذا فهي تفاجئ صاحبها والناس، كما فاجأ نساء العالم الشاعر بابلو نيرودا، الذي كان يعد أيقونة النضال والدفاع عن الحقوق، بأنّه أنجب طفلةً لم يعترف بها. 
وأنا يضحكني ذلك الذي يتحدّث إلى الناس أو عنهم، كأنّه إمام من أئمّة الطهر، أو كأنّه يحتكر الأسماء الحسنى والصفات المثلى. ومَن هذا شأنه يشهد على جهله بالنفس، إذ في داخل كلٍّ منّا يسكن أو يتوارى منافق أو فاسد أو نرجسي أو فاشي، أي كلّ ما يحملنا على تفكيك مكوّنات إنسانيتنا لنفهم بربريّتنا التي تفاجئنا من حيث لا نحتسب.

●  ما دورك كمشتغل في ميدان الأفكار؟
–  في ما يخصّني لن أقول بأنّني أدخل على المسائل من مدخل فكري، وإنّما أعيد صياغة مقولتي هذه، ما دام التفكير هو ميزة الإنسان بما هو إنسان.
بهذا المعنى كلّ فاعل أو لاعب إنّما يقارب القضايا والمشكلات بحسب أختصاصه وخبرته، للفيلسوف مقاربته، ولعلماء الأجتماع والنفس والأقتصاد مقارباتهم، وكذلك كلّ لاعب فاعل، بمن في ذلك الناس الذين لا نراهم في الواجهة، إنّما لهم مقارباتهم وأقتراحاتهم.
وإذا كنّا نقتنع بأنّ الواقع هو في غاية التعقيد والتشابك في عصر الشبكات والمنصّات، فالمجدي هو أن تتضافر الجهود والمقاربات، بالدخول على الأزمات من غير مدخل أو زاوية، ومن غير حقل أو اختصاص. من هنا قولي: الواقع المعقّد تحتاج معالجته إلى فكر مركّب. بذلك نرى الظواهر والوقائع بمختلف جوانبها وأبعادها وأطوارها.
وهذا ما أحاوله من جهتي، في ما أقّدمه من المقاربات، انطلاقًا من حقل عملي وأدوات اختصاصي، من لغات الفهم وصيغ العقلنة وقواعد المداولة. 
من هنا فالذي يقرؤني يقف على عدّة فكرية جديدة: العقل التداولي، الفكر المركّب، البعد المتعدّد، المنطق التحويلي، الإنسان الأدنى، الهوية المركّبة، الكينونة المزدوجة، استحالة القبض على الحقيقة.

صورة قاتمة للفكر العربي
●  ترسم في كتابك صورة قاتمة للمشهد الفكري العربي، وتصنّف المثقف في أحد أربعة نماذج هي: الأبله الثقافي، الأصولي الإرهابي، الداعية التراثي، والمثقف الحداثي. ولكلٍّ منهم أوصابه وأعطابه. ألا تعتقد أنك تظلم المثقف العربي في هذا التصنيف؟ ثم، أليس ثمّة نموذج خامس يمكن أن يشكّل بصيص أمل للخروج من هذا النفق المظلم؟
– لا أدعي الإحاطة بما أُنتِج على ساحة الفكر العربي. أتوقّف عند الذين تصدّروا الواجهة منذ الستّينيات من القرن المنصرم، من أصحاب المشاريع النقدية كالجابري وأركون وحنفي وصفدي… لا شكّ أنّهم وأمثالهم قد فتحوا إمكانيات جديدة للتفكير بما قدّموه من قراءات، إنْ للتراث أو للواقع، للخطابات أو للسلطات والسياسات، وهي أعمال فكرية تمّ معها طرح عناوين جديدة أو إثارة أسئلة مرجأة أو فتح ملفّات مغلقة… الأمر الذي أطلق ديناميكية فكرية جديدة نقلتنا إلى عصر تنويري جديد.


المثقّفون العرب وفخ التعريب والأسلمة
ومع ذلك، فإنّ معظم المثقّفين العرب، من فلاسفة وعلماء، قد وقعوا في فخ التعريب والأسلمة للعقول والفلسفات أو للعلوم، فيما هي حقول معرفية وميادين فكرية عابرة لحدود اللغات والثقافات والجنسيات. وهذا ما تشهد به عناوين الكتب والدراسات التي تتحدّث عن عقل عربي أو إسلامي أو غربي، فضلًا عن الذين تحدّثوا عن المركزية الغربية أو أنشغلوا بثنائية الأستشراق والأستغراب أو الإسلام والإمبريالية.
ولا أراني أظلم الفلاسفة العرب والعاملين في حقول المعرفة. فهم تحدّثوا عن الفكر العربي لكنّهم لم يطرحوا أسئلة الفكر عامّة، وتكلّموا عن العقل العربي أو الإسلامي، غير أنّهم لم يطوروا مفهوم العقل.
هذا العائق وقف حائلًا دون تمكّنهم من تجديد عالم الفكر، بأختراع أفكار جديدة راهنة تخلق مساحتها التداولية على ساحة الفكر العالمي (نظرية، معادلة، حقل، منهج، نموذج، تيار…).
كذلك الأمر في مجال الفكر الاستراتيجي، ثمّة كتابات عن العالم والامبريالية والغرب أو عن الحضارة والثقافة، لا تضاهي، مثالًا، صدام الحضارات أو نهاية التاريخ، لدى هنتنغتون أو فوكوياما، وإنّما هي ردّات فعل لا تساوي الفعل نفسه بأثرها ومفاعيلها. بمعنى أنّها لم تقدّم معارف ثمينة وازنة وقيّمة حول صورة العالم وسيره أو عن مصيره ومستقبله.
حتى أركون، الذي أقام في فرنسا ودرّس بجامعة باريس وكتب بالفرنسية، لم يُؤْثَر عنه أعمال حول المجتمع الفرنسي أو حول العالم الغربي والعالم عامّة، إذ هو حصر اهتمامه بالتراث الإسلامي، وتصرّف كمحرر أو كمصلح، لا كفيلسوف يهتمّ بتجديد العدّة الفكرية.
من هنا، فهو يقرأ في فرنسا كمهتم بالعالم الإسلامي أو كمختص بالإسلام (Islamologue). وهذا ما يفسّر لنا كيف أنّ أعماله لم تنتشر في فرنسا والبلدان الغربية، أنتشارها الواسع في البلدان العربية والإسلامية. وهذه حال كُثر من أهل الفلسفة والفكر المقيمين في فرنسا، إنّهم يفكّرون وعقولهم مشدودة إلى العالم العربي.
   ويا لها من نكتة فلسفية أن يكتب مترجم أركون، الكاتب والناقد هاشم صالح، الذي أعترف بأنّه مترجمٌ ممتاز، لكي يحدّثنا عن أنتصار أركون المظفّر على سواه من الفلاسفة والمفكّرين العرب، من أصحاب المشاريع الفكرية، لقد تعامل الدكتور هاشم مع أركون كما يتعامل المؤمنون والرعايا مع زعيمهم الأوحد أو مرشدهم القائد، بلغة التصديق والمصادقة، أو التبجيل والتهليل، حتى كاد يقول: لا صوت يعلو فوق صوت أركون.
 وفي ذلك إساءة للرجل، لأنّ أعمال أركون تحتاج إلى من يقرؤها قراءة خلّاقة يقرأ فيها ما لم يُقرأ، لتجديد المعرفة بها، وبالمعرفة عامّة بها.
هذا المنزلَق، الذي يُغلّب الأعتبارات الأيديولوجية والنضالية على الصناعة الفلسفية، هو ما حاولت تجنّبه منذ البداية، كما تشهد عناوين كتبي ومقالاتي: التأويل والحقيقة، نقد النص، نقد الذات المفكّرة (الكوجيطو) أوهام النخبة، لعبة المعنى، سياسة الفكر، أصنام النظرية وأطياف الحرية، حديث النهايات، المصالح والمصائر، تواطؤ الأضداد، ما بعد الحقيقة…
وهي أعمال أسفرت عن تطوير أو تجديد عالم الفكر بإنتاج مفاهيم جديدة حول الإنسان والعقل والحقيقة والفكر والنص والهوية… وسواها من مفردات الوجود… لهذا فهي تقرأ في فرنسا، ويفيد منها كتاب مشهورون عرب وفرنسيون، لكن كالعادة من غير الإشارة إلى المرجع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى