أخبارالجديدمقالات

تعرّف على شيخ الكتبيين في العراق

علي لفتة سعيد

يقف إبراهيم الشيباني -المعروف بإبراهيم الكتبي- بسحنته السمراء أمام مكتبته في كربلاء مزهوا كمن يقف أمام حقول زرعه، متمعّنا في الكتب التي تتزاحم على أرفف تصل إلى سقف الغرفة، لتكون أكبر مكتبة شخصية في العراق، وربما يفكّر وهو يطلق حسرة في مآل هذه الكتب عند رحيله عن الدنيا.

ألقاب ونسخ قديمة

يطلق عليه شيخ الكتبيين في العراق لما تحتويه مكتبته من نوادر الكتب والمخطوطات التي تعد ثروة كبيرة، وتعدّت 20 ألف كتاب ومجلة ومخطوطة. وأغدق عليها الشيباني مئات الملايين من الدنانير، وبينها أكثر من ألفي كتاب تجاوز عمرها 100 عام، ومنها نسخة مخطوطة قديمة للقرآن الكريم يتجاوز عمرها 250 عاما.

هذه المكتبة تحوّلت إلى مرجع لأساتذة الجامعات وطلبة الدراسات العليا لما تضمه من مصادر غير متوفّرة في المكتبات الأخرى.

الشيباني من مواليد 1962 ويحب أن يسمى الكتبي، ويتحدث عن بداية المشروع في 1976 بكتب دينية ثم تطوّرت المكتبة لتضم شتى الأنواع من كتب أدبية وفلسفية وتاريخية ومذكّرات ورحلات وسياسة، إضافة إلى الكتب ذات الإطار الأكاديمي البحت.

وعن عدد الكتب، فيعتقد أنه من الصعب إحصاؤها لأنها في زيادة مستمرة، لكنها بالآلاف إلى جانب مخطوطات ومجلات.

يستعرض الشيباني عددا مما تضمّه مكتبته من نفائس -كما يصفها- فإلى جانب نسخة القرآن القديمة هناك أيضا كتاب “تاريخ بغداد” الطبعة الأولى للخطيب البغدادي وعمره 100 عام، وديوان الخنساء وعمره أكثر من 120 عاما، فضلا عن كتاب “لباب التأويل في معاني التنزيل” من تأليف العلامة الشيخ الإمام علاء الدين علي بن محمد آل إبراهيم البغدادي الصوفي المعروف بالخازن، وعمره 125 عاما.

وذكر أنه يحتفظ بالعديد من المخطوطات بمكان آمن، مشيرا إلى أنها تتناول عدة مواضيع في علم الفلك واللغة والأدب بتواريخ متفاوتة.

وعن المجلات يقول الشيباني إن لديه “المقتطف” و”الرسالة” و”الهلال” و”العربي” ومجلات أخرى كثيرة ومن العدد الأول، فضلا عن مجلات عراقية مثل مجلة “المورد” و”التراث الشعبي” و”سومر” و”آفاق عربية” وغيرها من المجلات التي تصدرها الجامعات العراقية.

ويفتخر بأن مكتبته تحوّلت إلى ملتقى للكتبيين وكثير من حملة الشهادات العليا وطلاب الدراسات العليا.

زعامة وكتب نفيسة

تحولت مكتبة الشيباني إلى مقصد شبه يومي للعديد من الأكاديميين والباحثين والمؤرخين. ويقول أستاذ الأدب العباسي والفاطمي الدكتور محمد حسين المهداوي إن “هذه المكتبة تعد من المكتبات النفيسة لما تحتويه من نسخ غالية، جمعت كل نادرة مع حسن التصنيف والتبويب ومن يقصدها زاد حبا وعلما وثقافة”.

ويضيف المهداوي في وصفه أنها بالنسبة للأكاديميين والطلبة “تعد البستان المثمر والأغصان المورقة وقد أغترف منها الكثير طوال 30 عاما وأكثر سواء من الطلبة أو حتى الأساتذة، والذين لا يجدون ضالتهم في المكتبات الأخرى ويجدونها في مكتبة الشيباني، وخاصة القديمة”.

ويصف الدكتور مرتضى الأندلسي أستاذ الأندلسيات الشيباني بأنه كالنجم الساطع كونه يملك ثقافة ووعيا ودراية بالكتاب تفوق بعض المختصين بعلم الكتاب.

ويضيف أن هذه الشهرة “ليست في كربلاء فقط بل هو زعيم الكتاب في شارع المتنبي في بغداد، لهذا أصبح منارا للطلبة والدارسين يستقبلهم في بيته ويوفر لهم كلّ ما يحتاجونه”.

وعن فائدته الشخصية يقول الأندلسي لقد “أفادني كثيرا في العثور على المراجع التي لم أجدها في المكتبات الأخرى، مثلما أفاد طلبتي في الدراسات العليا خاصة في فروع الأدب والتاريخ والقانون والترجمة والأدب المقارن والآداب الأندلسية والموريسيكية”، مشيرا إلى أن هذه المكتبة ساعدت في إنجاز مئات الرسائل الأطروحات.

هوس الكتب القديمة

يحيل كثير من أصحاب المكتبات بعض الباحثين عن كتب بالذهاب إلى مكتبة الشيباني، ويقول صاحب أقدم مكتبة في كربلاء المؤرخ طه الربيعي إن المكتبة إرث كبير جدا ولها قيمة معرفية ومادية.

وحسب أعتقاده -وهو الذي عمل في المكتبات أكثر من 40 عاما- فإن مكتبة الشيباني أفضل مكتبة بيتية، وهي أكبر حتى من المكتبات الحكومية وتتوفّر على كتب قيمة ونادرة وتاريخية.

غير أن الربيعي يعبّر عن خيبة أمله كون هذه المكتبة ربما ستصبح في يوم ما مجرّد أوراق مكدسة إذا رحل الشيباني عن الدنيا، فلا أحد يعرف قيمة هذه الكتب والمخطوطات مثله.

ويذكر الربيعي ما يعده سرّا أن الشيباني ونتيجة عوزه وفاقته أيام الحصار الأميركي في تسعينيات القرن الماضي أضطر إلى بيع بعض الكتب لكي يعيش وعائلته، ثم أعادها من جديد، مبينا أن ما يقوم به الشيباني يعد “هوسا غريبا حيث يشتري الكتاب من دون أن يفكر في ثمنه”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى