الجديدطب وعلوممقالات

شخصيات في حياتي: الدكتور علي كمال بين طب النفس والقلم

عامر هشام الصفار

من أهم المواضيع التي يتضمنها منهج الدراسة في الكليات الطبية موضوع دراسة الطب النفسي ضمن ما أصطلح عليه بدراسة الفرعيات في الطب والتي يدخل فيها طب الأمراض الجلدية والزهرية وطب الأطفال على سبيل المثال…وعليه ولأن منهج الدراسة مزدحم بالمحاضرات وبالفصول الدراسية السريرية، فأن عدد الساعات النظرية المخصصة لطب النفس لا تتعدى الساعات القليلة، والتي تتيح للطالب التعرف على الشائع من الأمراض النفسية، وعلى أهم العقاقير الخاصة بعلاج الحالات النفسية، ودينامكية عملها، وتحقيقها للهدف المرجو منها في علاج حالة المريض النفسي، من كآبة وقلق وأنفصام شخصية ووساوس وأضطرابات شخصية وثنائي قطبية.. وما الى ذلك..

وفي فترة نهاية السبعينات أتيحت لي الفرصة للتعرف على مصادر في الطب النفسي كنت أبحث عنها، فأذا بي أحظى بكتاب الدكتور علي كمال الموسوم ب “النفس وأنفعالاتها.. وأمراضها وعلاجها”.. وهو الكتاب الذي ألفه الراحل بلغة عربية رشيقة سلسة مفهومة مما كان خير عون لي وللعديد من الطلبة في فهم مادتهم العلمية التي يدرسون، رغم أنه كتاب كان موجها لعامة الناس، وفيه تعريب للمصطلحات الطبية النفسية، في حين كانت الدراسة في كلية الطب ببغداد باللغة الأنكليزية.

ثم اني أصبحت من المولعين بقلم الدكتور علي كمال وهو الطبيب النفسي الفلسطيني الأصل الذي عاش وعمل في العراق فأختص بالأمراض النفسية والعصبية حتى أصبح رئيس قسم الطب النفسي في الجامعة..وأستاذا في كلية التربية ببغداد. وقد كانت للدكتور علي كمال عيادته الطبية في الطب النفسي في شارع الرشيد ببغداد..وهي عيادة رغم صغر حجمها الا أنها كانت دائما مزدحمة بمرضاها الذين يجدون عند طبيبهم العلاج الشافي في أغلب الأحيان.

وعودة لمؤلفات الدكتور علي كمال..فقد ألّف أضافة للكتاب الذي ذكرت كتابا عنونه ب “النفس والجنس” وكتابا بعنوان “فصام العقل -الشيزوفرينيا-” وله كتابه في العلاج النفسي قديما وحديثا….وكتابه حول أبواب العقل الموصدة.. باب النوم والأحلام. أما في مقدمة كتابه الشهير “النفس وأنفعالاتها” فقد مهد له بمقولة للشاعر الأنكليزي تي اس اليوت: كيف أستطيع أن أفسر لكم؟.. ستفهمون الأقل بعد تفسيرها.. كل ما يمكن أن ارجو أفهامه لكم.. هي الحوادث فقط.. وليس الذي حدث.. والناس الذين لم يحدث لهم شيء ابدا.. لا يستطيعون فهم عدم أهمية الحوادث. ثم تساءل الدكتور علي كمال من هو المريض نفسيا؟ من هو المريض عقليا؟…ما هي الأمراض النفسية؟.. وما مدى أنتشارها؟…

ولم تقتصر جهود الراحل د علي كمال على تأليف الكتاب وأعطاء المحاضرات على طلبة كلية التربية وكلية الطب بل راح يكتب المقالات والدراسات في الصحف والمجلات العراقية، ويعقد اللقاءات الصحفية والأذاعية والتلفزيونية..ومن مقالاته الشهيرة دراسته المنشورة عن المتنبي والنفس..تحليل لشخصية المتنبي من خلال شعره. وهناك مقالة أخرى منشورة عن مساهمة الحضارة الأسلامية في الطب النفسي.

يقول الراحل عالم النفس وطبيبها الدكتور علي كمال عن الكتابة والقلم: “لا أكتب لمجاملة الكتابة..أنا أكتب فقط عندما أشعر برغبة في الكتابة..أجد فيها ما يشبه عملية الولادة عند المرأة..الكتابة هي أن أطاوع شيئا في نفسي..الجواب بالنسبة لي يبقى داخليا وليس خارجيا”. كما كتب يوما يقول: “انا لم أتوقف يوما عن الحب..فالحب لي وبمعانيه وعناصره الواسعة هو بمثابة الوسيلة التي تحس بها الحياة….ثم أنه لابد من أن يكون بين الزوج والزوجة حالة من السكن والأيقاع النفسي الواحد والأنسجام..”.

لقد كان الدكتور المبدع علي كمال طبيب نفس وكاتبا ومفكرا له فعالياته الثقافية ضمن فعاليات المجتمع العراقي المثقف…فقد كان مواظبا على حضور الندوات الثقافية والفكرية ومساهما فيها كما الندوة التي شارك فيها عن ديستوفيسكي الروائي الروسي الشهير وذلك ضمن فعاليات المركز الثقافي الروسي في بغداد عام 1971…وقد كان د كمال في هذه الندوة بمعية الدكتور جميل نصيف التكريتي (الناقد والمفكر العراقي المعروف) والكاتب الروائي جبرا أبراهيم جبرا والقاص العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي والصحفي كاميران قره داغي… يقول الراحل علي كمال في تفسيره لحال المبدع العراقي: أن هذا المبدع حريص وجاد ومثابر، لكن باكورة نتاجاته أفضل من نهاياتها، ولعل غلبة الأعتبارات المادية على الفنية هي السبب.   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى