الجديدمقالات

الأعلام والوباء

د محمد فلحي

الإعلام والعلم مصطلحان مترابطان في اللغة العربية من خلال جذر واحد هو الفعل(عَلِمَ)

ومفهوم الإعلام الصحيح هو الإخبار والإفادة ونقل الحقائق بطريقة واضحة وموضوعية ومتزنة إلى الجمهور دون تحيز أو تلاعب أو تقصير أو تأخير!.

وفي اللغة الإنجليزية يسمى الإعلام:

media

mass media

mas communication

information

وهذه التسميات المتعددة كلها تدور حول دور وسائل الأتصال العامة الحديثة في مخاطبة الجمهور ومحتواها ورسالتها الإعلامية، بدءً من عصر الصحافة إلى عصر الإذاعة إلى عصر التلفزيون إلى عصر الإنترنيت، فنحن اليوم في ذروة الطوفان الإعلامي والمعلوماتي، وقد كان العالم قبل نصف قرن أو أكثر يعاني من شحة المعلومات وندرتها، فأصبحنا اليوم نعاني من وفرة المعلومات وتنوعها وتزاحمها مما يفوق قدرة الإنسان العقلية ويضيق بها وقته، ولا ينقذه من هذا الطوفان إلا الأنتباه وحسن الأختيار والأنتقاء من الكم الهائل المتزايد من المعلومات والأخبار والآراء المتناقضة!.

وظيفة الإعلام

بالرغم من أختلاف وسائل الإعلام إلا أنّها تتولى مهمة واحدة وهي تكوين الرأي العام، وتنميته من خلال دوره في تقديم ما يهم الجمهور من الأخبار والتقارير والحوارت والبرامج الترفيهيّة، والخدمات والإعلانات وغيرها. ويمكن الأعتماد على الإعلام في الوظيفة التعليميّة والتثقيفيّة. ويُعد الإعلام وسيلة إرشاديّة وتوجيهيّة، ووسيلة فعّالة للتفاعل الاجتماعيّ. والإعلام يراقب البيئة المحيطة بالمجتمع، ويجمع المعلومات ويحلّلها ويقدمها للجمهور.

في عصر المعلومات يفترض أن يعتمد الإعلام تقديم الحقائق وكشف الأسرار ومساعدة الفرد والمجتمع والدولة في أتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب من خلال تقديم المقترحات والبدائل والمعلومات الحقيقية الصادقة!.

الإعلام الصحي!

هناك نوع من الإعلام يسمى الإعلام العلمي،وهو يختلف عن الخطاب الإعلامي السائد الذي يدور حول السياسة والأقتصاد في الأغلب، فالإعلام العلمي مهمته متابعة التطورات العلمية المتسارعة وتقديم الحقائق العلمية الموجزة المفيدة للمتخصصين وللجمهور العام، ومن ضمن هذا النوع من الإعلام يصنف الإعلام الصحي والطبي والوقائي، وهو يهتم بالثقافة الصحية ويهدف إلى تحسين العادات الوقائية الصحية والنظافة، وكيفية مواجهة الأمراض والأوبئة وتجنب نتائجها السيئة التي تهدد حياة البشر، فالإعلام الصحي هو الإعلام المنقذ للحياة!

الإعلام في مواجهة الوباء!

أول إعلان رسمي من قبل منظمة الصحة العالمية عن وباء فايروس كورونا (COVID-19) أنطلق من مدينة ووهان الصينية في أواخر شهر كانون الأول\ ديسمبر عام 2020 واجتاح العالم خلال أيام قليلة.

أن أزمة الفايروس الجديد كشفت غياب الخطط وعدم الأستعداد للكوارث في كثير من الدول التي ينخرها الفقر والجهل والمرض والفساد في آن معاً، وقد عجزت حكوماتها من قبل عن معالجة هذه الظواهر،وأصبحت مجتمعات كاملة بيئة خصبة مهيئة لأستقبال الأوبئة الطارئة، والأستطباب عند الدجالين والمحتاين، وذلك لقلة الكوادر الصحية وشحة الموارد المالية وضعف المؤسسات الصحية، نتيجة أعتماد السياسات العشوائية وعدم أحترام التخصصات العلمية وترويج الجهل والدجل والكراهية بدلاً من العلم والمعلومات.

ولعل أول توصيف غير دقيق للوباء في الإعلام العالمي وبخاصة الأميركي هو وصف وباء كورونا بالمؤامرة الصينية وقد ورد هذا الوصف من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وظل مصرا عليه حتى نهاية حكمه، وهو مؤشر خطير على التداخل بين السياسة والإعلام والعلم وعوامل أخرى، ما يجعل الوصول إلى الحقيقة يبدو صعباً إن لم يكن مستحيلا!.

ومن أجل تصحيح المعتقدات الخاطئة حول الوباء، كان من اللافت إقدام منظمة الصحة العالمية على مواجهة ما وصفته بـ “الوباء المعلوماتي“، من خلال نشاطها في تزويد وسائل الإعلام بالمعلومات الصحيحة على مدار الساعة وعبر منصاتها التي تنشر بلغات عدةّ.

كما أطلقت الأمم المتحدة، لهذه الغاية، مبادرة “Verified” المعنية بمشاركة المحتوى الموثوق به حول الوباء، لأنه “لا يمكننا ترك فضاءاتنا لأولئك الذين يتاجرون بالأكاذيب والخوف والكراهية”، وفق تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.”

ولمواجهة هذا التحدي في أنتشار المعلومات المغلوطة والتحكم بها ، عينت منظمة الصحة العالمية 20 موظفاً وبعض الخبراء الأستشاريين في مجموعات الأتصالات التابعة لها لمكافحة المعلومات المغلوطة بالتعاون مع Facebook وTwitter وTencent وPinterest وتيك توك.

ثمة هواجس طُرحت في بداية أنتشار الوباء في نهاية العام 2019 تمثلت بعدد من الأسئلة منها: هل ساهمت وسائل التواصل الأجتماعي في إثارة الخوف والهلع خلال أزمة كورونا؟.

و لماذا يهرع قطاع كبير من روّاد هذه المواقع إلى نشر الأكاذيب وتصديقها ؟.

وهل أنّ هناك نشر مواز لما هو إيجابي وصادق خلال أزمة الكورونا؟.

وهل عادت وسائل الإعلام التقليدية الرصينة لتسحب البساط من تحت وسائل التواصل الاجتماعي بفعل تلك الأزمة؟.

هذه التساؤلات كانت مدار حوار منذ أنتشار وباء كورونا حتى اليوم!.

من بين معالم الواقع الجديد، الذي أفرزته أزمة تفشي وباء كورونا في أنحاء العالم، كان ذلك الأختبار القوي لوسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت ظاهرة إعلامية جديدة واضحة لا ينكرها أحد في العالم المعاصر. وبقدر ما أسهمت تلك الوسائل الجديدة، في تخفيف أزمة التواصل المباشر بين البشر، بفعل المخاوف من تفشي الفيروس، وخففت من نتائج الحظر الصحي وتأثيراته على المجتمع، بقدر ما بدا من وجهة نظر كثيرين أنها أخفقت في اختبار المصداقية!.

هناك رأي يقول إنّ جمهور وسائل التواصل الأجتماعي يتحمّل جانباً من المسؤولية فيما يجري الحديث عنه من جوانب سلبية، أفرزها أستخدام تلك الوسائل خلال الأزمة، من نشر أخبار مفبركة، إلى نشر شائعات، إلى سعي لبثّ الخوف والذعر في نفوس الناس، الذين وضعتهم الأزمة في حالة من القلق، يدفعهم للتشبث بأية معلومة قد لا يكون لها أي أساس علمي..

مصادر إعلامية!

عند اندلاع أية أزمة أو وقوع كارثة يفترض أن تلجأ وسائل الإعلام إلى مصادر معلومات موثوق بها للحصول على المعلومات ونشرها، وفي أزمة وباء كورونا يبدو أن أغلب وسائل الإعلام في دول العالم ومن ضمنها الدول المتقدمة الديمقراطية، لم تكن متهيئة لوباء صحي يجتاح العالم بهذه السرعة، فراحت تبحث عن مصادر للتغطية السريعة من خلال متحدثين أو خبراء أو أطباء كانوا هم أنفسهم يعانون من الإرتباك وشحة المعلومات وتضاربها، ولم تقدم وسائل الإعلام إجابات دقيقة على تساؤلات الناس بخصوص أسباب الوباء وكيفية مواجهته وطرق علاجه والوقاية منه، وكانت المعلومات المفيدة قليلة!.

كان الإعلام بحاجة إلى مرجعيات علمية وطبية، وقد تصدت منظمة الصحة العالمية لهذه المهمة فراحت تنشر يوميا أحصائيات و تطورات الوباء عبر وسائل الإعلام ووضعت بروتوكولا علاجيا ووقائيا وأرسلته الى وزارات الصحة في جميع دول العالم، وهو أجراء سليم، لكن الإعلام لم يكن يمتلك أي بروتوكولا أو خطة للتغطية والتوعية والتثقيف بخصوص الوباء، وكان ما تقوله منظمة الصحة العالمية يكاد يضيع وسط الضجيج السياسي والإعلامي الذي يعتمد الشهرة والتربح والأتهامات غير الدقيقة!.

المؤتمرات الإعلامية السياسية

المرجعية الأخرى التي لجأت إليها وسائل الإعلام في الحصول على المعلومات حول الوباء هي المؤتمرات الصحفية اليومية التي يحضرها عادة كبار المسؤولين السياسيين إلى جانب بعض الخبراء الطبيين في كثير من دول العالم في مقدمتها أميركا وبريطانيا وفرنسا والصين وغيرها، كما هي الحال في المؤتمر اليومي في البيت الأبيض الذي كان الرئيس ترامب حريصا على حضوره طوال أربعة أشهر من بداية عام2020 ولكنه تراجع في شهر نيسان \ أبريل عن إقامة المؤتمر الصحفي اليومي الذي أعتاد على المشاركة فيه للكشف عن أخر التفاصيل الخاصة بتفشي فيرس كورونا قائلا إن المؤتمرات الصحفية ” لا تستحق الوقت أو المجهود”.

وجاء وذلك بعد يومين من تعرض الرئيس الأمريكي لأنتقادات لاذعة بعد أن ألمح في مؤتمر صحفي إلى أنه من الممكن “علاج فيروس كورونا عن طريق حقن المرضى بالمنظفات!”.

وقال ترامب عبر موقع تويتر “لا تفعل وسائل الإعلام شيئا سوى توجيه الأسئلة العدائية ولا تكشف الحقيقة”!”.

هذا الموقف الغريب كشف مجددا عن التداخل بين السياسي والإعلامي والصحي في تغطية وباء كورونا، وقد تراجعت أغلب الدول عن عقد المؤتمرات الصحفية اليومية في ظل أستمرار الوباء، منذ منتصف عام 2020 حيث ظل الإعلاميون يبحثون عن المعلومات من خلال تصريحات المسؤولين في وزارة الصحة أو الأطباء!.

الإعلامي والطبيب!

الملاذ الأخير للإعلاميين كان هو الرجوع إلى الأطباء والأختصاصات القريبة في علوم الحياة والفايروسات والمناعة وتوفير فرص الظهور أمامهم من خلال الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لتوضيح حقيقة الوباء وعواقبه وطرق مواجهته، فهذه الفئة من المختصين أصبحت تدخل بيوت الناس الذين يحاصرهم الفايروس ويثير الذعر الغامض في نفوسهم القلقة، وكان يفترض أن ينطق هؤلاء بالحقائق العلمية فقط، لكن حالات عديدة كشفت عن وقوعهم في التحيز والتشويش والمتاجرة بمخاوف الناس!.

يفترض أن يكون هناك ميثاق مشترك يجمع بين الإعلامي والطبيب وهو خدمة المجتمع وتقديم الحقيقة والمعلومات الدقيقة للناس دون تحيز، لكن الذي حصل أن الإعلامي في كثير من الحالات كان متسرعا بعناوين عاجلة وإظهار شخصيات تنتحل المهنة الطبية أو التخصص العلمي، وكانت الأزمة تمثل سوقا مفتوحا للجميع لكي يحققوا الشهرة والمال والظهور الإعلامي المتكرر في الفضائيات ومواقع التواصل الأجتماعي دون رقابة أو سيطرة أو متابعة قانونية إلا في حالات نادرة!.

ومما لا شك فيه فأن الأرتباك الإعلامي بدا واضحا من خلال لجوء الكثير من الناس إلى سماع أقوال الدجالين والمشعوذين الذين ينتحلون صفات طبية أو دينية، ويصدرون توجيهات ونصائح تخالف أبسط قواعد المهنة الطبية، وهؤلاء ظهروا في كل أنحاء العالم تقريبا حتى في الدول المتقدمة، فمحنة المرض والموت قد تجعل الإنسان يصدق ما لا يعقل، وفي العراق مثلا منحت بعض الفضائيات وقتا ليس قليلا لهؤلاء الدجالين للظهور وأسهمت مع الأسف في تلويث المشهد الإعلامي بمعلومات مضللة ومزاعم كاذبة!.

وفي إحدى الحالات النادرة قامت الجهات الأمنية في بغداد بأقتحام عيادة أحد الأطباء الذين أشتهروا فجأة في ظل وباء كورونا وأعتقلته وأغلقت العيادة، وذلك إثر شكوى من وزارة الصحة ونقابة الأطباء حول نشر الطبيب المذكور فيديوهات عبر مواقع التواصل تتضمن معلومات خاطئة حول الوباء، وأستغلال الأزمة من أجل الثراء السريع دون مراعاة إرشادات وتوجيهات منظمة الصحة العالمية أو وزارة الصحة!.

ومن العجيب أن هناك شريحة من الجمهور كانت تدافع عن ذلك الطبيب وتصدق وصفاته وتصريحاته غير العلمية!.

أن شرف المهنة الإعلامية وشرف المهنة الطبية كانا تحت أختبار الأزمة، وكان ضغط ظروف المهنة شديدا على العاملين في الإعلام والطب على حد سواء، فالتأخير في نشر الأخبار الصحية أو أنتشار الشائعات وإثارة الذعر كان يساوي في خطورته تأخر الطبيب عن علاج المريض أو تركه يواجه الموت وحيدا!.

نتائج العلاقة بين الإعلام والوباء!

1- أكدت أزمة وباء كورونا ضرورة الأعتماد على أهم مبادي العلم والإعلام وهو المصداقية والموضوعية وتجنب التحيز والتشويه.

2- أظهرت الأزمة بوضوح الثغرات في النظامين الصحي والإعلامي، ففي الوقت الذي كانت المستشفيات تزدحم بأنين المصابين كانت الفضائيات تعاني من العجز في ملاحقة تطورات الوباء فلا ميزانية كافية للطواريء ولا أجهزة حديثة ولا كادر متخصص!.

3- كشفت أزمة وباء كورونا عن خطورة ظاهرتي الفقر والجهل ودورهما في أنتشار الأمراض والكوارث الصحية فهذه هي البيئة الصالحة للفايروسات والجراثيم، ما يستدعي التعاون بين الشعوب لأغراض التنمية في كل المجالات.

4- أكدت الأزمة أن مصير الإنسانية المشترك ينبغي أن يرتقي فوق الخلافات السياسية والمصالح المتضاربة والصراعات فهناك تحديات وأخطار تهدد البشرية كلها، منها التغير المناخي وشحة الموارد الطبيعية وبخاصة المياه، وتزايد ترسانات أسلحة التدمير الشامل،

يضاف إلى ذلك- وربما يسبقه- الأخطار الوبائية التي لا تفرق بين مجتمع وآخر، وتجعل الجميع أمام عدو واحد غامض مرعب لا تراه الأنظار هو الفايروس القاتل.

5- أكدت أزمة وباء كورونا دور الإعلام في التوعية والإرشاد وضرورة صناعة خطاب إعلامي مفيد لخدمة البشرية ومواجهة المخاطر المصيرية بدلا من الإعلام المتورط في الصراعات والأزمات!.

فهل من معتبر يا أولي الألباب!؟؟…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى