الجديدمقالات

قراءة في رواية “ينال” للكاتب العراقي أمجد توفيق

نزار السامرائي

يعّد العنوان حسب جيرار جينيت من أهم العناصر التي يستند اليها النص الموازي(Paratext) وهو بمثابة عتبة تحيط بالنص، نستطيع عبرها أن نقتحم أغوار النص، وفضاءه الرمزي الدلالي. كون العنوان يشكل بوابة العملية الاتصالية بين الكتاب والقاريء، لذلك فهو رسالة تسعى لتحقيق عدد من الوظائف التي يحتاجها الكاتب للوصول الى المتلقي، ومنها وظيفة التعيين التي تتكفل بوظيفة تسمية العمل وتثبيته، والوظيفة الوصفية التي تعني أن العنوان يتحدث عن النص وصفا وشرحا وتفسيرا وتأويلا وتوضيحا، والوظيفة الإغرائية التي تكمن في جذب المتلقي، وكسب فضول القارئ لشراء الكتاب، أو قراءة النص، وظيفة التلميح، والإيحاء، والأدلجة، والتناص،والتكنية، والمدلولية، والتعليق، والتشاكل، والشرح، والأختزال، والتكثيف، وخلق المفارقة والأنزياح عن طريق إرباك المتلقي، إضافة الى الوظيفة الإشهارية. (حمداوي، 2015). من هذا فأن الكاتب يعتني بالعنوان بشكل كبير، ويدعه حتى النهاية، بعد أن يبدأ بعنوان أولي مقترح يتم التعديل عليه أو تغييره بعد الأنتهاء من فعل الكتابة، وبالشكل الذي يراه مناسبا للدلالة على النص بشكل واف.

ويشير بسام قطوس الى أن العنوان سمة العمل الفني او الأدبي الأول، من حيث هو يضم النص الواسع في حالة أختزال وكمون كبيرين، ويختزن في بنيته أو دلالته او كليهما في آن. (قطوس، 2001).

من هنا فأن ما نقف عنده قبل الولوج الى رواية أمجد توفيق الأخيرة “ينال”، الصادرة عن أتحاد أدباء وكتّاب العراق 2022، هو العنوان الذي يبدو غريبا للوهلة الأولى، غير قابل لفك مغاليقه، أذ لا نجد فيه الا الفعل المضارع الذي يشير الى الحصول على شيء والمشتق من الجذر “نول” اذا ما جاء فعل مضارع مبني للمعلوم منسوب للضمير (هو) مرفوع، ومصرف من الفعل المزيد “اِنَّالَ” على وزن انْفَعَلَ يَنْفَعِلُ وتحليلها “ي + نال”. اما اذا جاء مبنيا للمجهول فأنه مشتق من الجذر “نيل”. ويشير معجم اللغة العربية المعاصر الى أن ينال مصدر ميميّ من نالَ/ نالَ على/ نالَ لـ: نَيْل، ما يُطلب تحقيقُه : -موضوع صعب المَنال، – أمرٌ/ مكسبٌ سَهْل المَنال: وسهل المنال: يمكن الوصول إليه ودخوله بسهولة ويُسْر، – بَعيدُ المنال: صَعْبٌ تحقيقُه أو الوصول إليه. كما أن من يحصل، ويدرك، ويبلغ.

من هنا فأن عنوان الرواية دال على فعل، ولكن ما أن نلج النص حتى يفتح لنا الكاتب في مدخل الرواية مغاليق العنوان ليبلغنا أن “ينال قفز من فعل مضارع الى أسم لشخص”.ص9، وبهذا فإننا أمام رواية تحمل اسم الشخصية الرئيسة، كما أن العنوان يحمل دلالة أن النص الروائي متعلق بشكل أساس بشخصية ما تدعى ينال. وهو بهذا يؤكد أن أختيار الاسم جاء بشكل مدروس، ليحمل مدلوله دلالات متعددة تترادف علينا أثناء الأستمرار بالقراءة. 

ورغم أن الكاتب يورد على لسان الشخصية الرئيسة في الرواية أن ينال مقتبس عن اللغة الأرمنية بمعنى الفارس، الا أن قاموس الأسماء يذكر أن الاسم ينال من أصل تركي بمعنى المعاون، والمساعد. وهو مشتق من الأسم المغولي (إينال)..

ينال، هو ذا أسمي، ولا أعرف تحديدا لِمَ سميت بهذا الاسم الفعل، ولكن ما أذكره نقلا عن المرحومة والدتي أن أبي أطلق علي الاسم تقديرا لعلاقته مع صديق أرمني كان  يحمل الأسم ذاته، وأذكر أن والدتي نقلت عن المرحوم أبي أن الأسم يعني في اللغة الأرمنية الفارس، وما دمنا عربا ونتكلم العربية فإن صفة الفعل لا يمكن أنكارها في أسمي المبجل.ص28

اذا يحاول الراوي هنا أن نبقى في أطار اللغة العربية وأن نتعامل مع أسم الشخصية بدلالة الفعل، بغض النظر عن الدلالة التي أرادها أبوه حين منحه اسم صديقه الأرمني. وهو ما يشعر به ويدركه جيدا ” حتى اسمي أجده غريبا، مضحكا، إنه لا يحمل من الأسم الا صفته، فهو فعل مضارع وليس أسما (ص28)”. ويلعب الكاتب على وتر الأسم / العنوان في أكثر من مكان من الرواية، أبتداء من أسم ابنته تنال، او أسم الفتاة التي يتعرف عليها في الجامعة منال، وأبنها التي تسميه لاحقا ينال أيضا . 

اذا من يكون ينال هذا؟! ولماذا هذه التسمية؟

يعرفنا الراوي بشخصية ينال بأنه “ينحدر من أصل عراقي، وهاجر في زمن ملتبس خارجه،ليستقر فيما بعد في أسبانيا”..ص11، وهنا نجد دلالات جديدة تتعلق بالشخصية، الأولى أنه ينحدر من أصل عراقي، بمعنى هو الآن ينتسب الى الدولة التي يعيش فيها ويحمل جنسيتها، وهنا لم أجد تحديدا واضحا هل هو فرنسي، أم أسباني من أصل عراقي، فينال يتنقل بين الدولتين، وأذا كان يمتلك قصر ريفي فخم في أسبانيا، فمعاملاته وشقته، ومحاميه، وشركاته في باريس كما تظهر أحداث الرواية.

وتعاملاته التجارية، ولاسيما ما يخص تجارة السلاح أارتباطه بجهات مشبوهة في دول عدة، ترتبط بثقافة البلاد التي يسكنها، وتعاملاتها، وثقافتها، سواء في تغلغل مافيا السلاح في أوساط الطبقة العليا من المجتمع، أو العلاقات الجنسية المتشعبة التي ترسم الشخصية بسمات الشخصيات التي نشاهدها في الأفلام السينمائية، وترتبط بالمغامرة والجنس والتعاملات المالية المشبوهة وهي كلها تتصل بشخصية ينال. فهل كان ذلك دلالة على الحصول او (نيل) الشهرة والمال والنفوذ، كما تحمل دلالة الفعل وهو ما يورد على لسان الراوي (المعلم/الروائي) حين يربط بين أسم ينال وأسم ابنته “لم تتركوا للآخرين أي شيء، فبين ينال وتنال لا فرصة لأحد بنيل شيء..ص12

وهنا يبرز أسم أبنته (تنال) المشتق من الجذر اللغوي نفسه بعد تحول الفعل من الذكر الى الأنثى، حيث كان من الطبيعي أن يربط  الراوي بين الأسمين للأب وأبنته بكونها” مفارقة تثير جوا ساخرا”.ص11، وأسم الأبنة لم يكن غريبا عن مجرى الرواية، فهو يرد حتى قبل أن يهاجر العراق ويلتقي زوجته التونسية، حين يتعرف على فتاة في الجامعة أسمها “منال” حاولت التعرف عليه “لأن أسميهما يشتركان بالجذر اللغوي” وهو سبب يبدو غريبا، ولكن يبدو أن غرابة أسمه وشهرته بإقامة علاقات سريعة مع الآخرين جعلت لا أحد في الكلية لا يعرفه ” لذلك تواجهه منال بسؤال يمكن أن يلخص حياة هذا الشخص “هل أنت تنال كل ما تريد؟”، غير أنه يبدو غير واثق من حقيقة قدرته على أنعكاس دلالة أسمه على حياته الشخصية لذلك يجيب الفتاة بخيبة “لو كان أسمك تنال بدلا من منال لأشتركنا في نيل ما نريد، والحق إن أبي لم يكن يفكر في الجذر اللغوي حين أطلق علي الأسم”.ص39  وهو بذلك يفصل دلالة الأسم عن الأصل اللغوي ولاسيما أن الأحداث التي مرّ بها حتى لو منحته أمتيازات لم يكن يفكر بها، الاّ أنه أفتقد على ما يبدو الأهم وهو ذاته، أنتماءه الذي أنسلخ عنه مرغما نتيجة الأحداث التي مرَ بها البلد وتسلط الجماعات المسلحة والعصابات التي سلبت منه منزله وكل ما يملك، ويمكن أن نربط بين دال سلب المنزل بعد أختطافه وتزوير أوراق البيع، بمدلول أنسلاخه عن الأنتماء الى البلد، وربما هذا ما جعله حين واتته الفرصة لأن يعيد منزله، بعد عرض الرجل الذي أشتراه ممن سلبوه منه. فينال لم يعد غير رجل أعمال أوربي من أصل عراقي. 

اذن ما الذي حصل عليه ينال في النهاية؟!

لاشيء ! .. وهو الإحساس الذي يدفعه الى الأنتحار، بعدما قٌتلت صديقته روكسانا الرومانية، وعودة صديقته سانا الفنلدنية الى بلدها. حينها فقط  كانت ذكريات العراق تلح عليه” فأتذكر قولا لا مناسبة له، ويحضرني وجه أصدقاء نسيت أسماءهم، ومواقف كانت غائبة تماما منذ سنين طويلة”ص155. حينها يبدء الشعور بقرب الأجل كما يستذكر ما قاله صديق له” من يفكر طويلا بطفولته وماضيه يعد نفسه لأستقبال الموت”ص155. هذا الأستذكار ما يجعله ينسلخ عن كل ما حصل عليه، بمعنى ينسلخه من ذاته بالتخلي عن دلالة أسمه، ومنح ما حصل عليه وناله من عمله في تجارة الأسلحة وغيرها لمن يعرفهم وكأنه محاولة تكفير عن كل ما قام به، فيترك مبلغا لمنال التي سكنت تركيا مع ابنها “ينال”، كما يترك مبلغا ضخما تحت تصرف المعلم،الراوي، ليبني مدارس ودور للأيتام وغيرها.. ربما في محاولة متأخرة للإحساس بالأنتماء.

من هذا نجد أن الكاتب أختار العنوان بشكل دقيق للتعبير عن مضمون الرواية وسير احداثها، فعلى الرغم من كونها تبدأ بصوت المعلم كراوي رئيس يتحدث عن ظروف تعرفه على ينال الثري الذي يعيش في أحدى مناطق اسبانيا، الا أن الأحداث الحقيقية يتم تبئيرها عبر ينال نفسه الذي يسلم مذكراته الى المعلم، أي أنها مجموعة انثيالات وتداعيات يدونها ينال على الورق لتوثيق الأحداث التي مرّ بها، ورغم أن السرد الروائي يمر عبر مسارين الأول يرويه المعلم/الروائي، والثاني يأتي على لسان ينال، الا أننا في النهاية نجد نفسنا أمام صوت واحد لا صوتين، ما يجعلنا نتساءل هل المعلم/الراوي نقل لنا الأحداث كما دونها ينال، ام أنه عمل على تحويلها الى رواية كما طلب منه؟!.. وربما كان هذا أيضا شعور الكاتب الذي عمد الى هندسة النص بالشكل الذي يفصل بي الراويين، فما يسرد على لسان ينال جاء بخط غامق (bold) في محاولة للتمييز بين سرد متواصل على لسان راويين مختلفين.

ورغم التفاصيل العديدة التي تحملها الرواية الا أنني اشعر بأهمال شخصيتين كانت على أتصال مباشر بحياة ينال، الأولى شخصية “منال” الفتاة التي تترك العراق مع أهلها هاربة الى تركيا، وكان أفق التوقع يشير الى أن يكون هناك تواصل مستمر بينها وبين ينال، ولاسيما أنها تطلق أسمه على أبنها، ألاّ أن الكاتب أخفاها ألا في إشارة قرب النهاية تبين أنه ترك لها مبلغا من المال يكفيها وأبنها. أما الشخصية الثانية فهي شخصية ليلى التونسية زوجة ينال التي تظهر في بداية تعرفه عليها وتختفي بعد زواجهما لتظهر في النهاية بعد وفاته، دون أن يكون له او لها رأي في سلسلة مغامراته مع النساء الأخريات.. مع أن ظروف تعرف الراوي/المعلم عليهما يدل على أن علاقتهما الزوجية جيدة وتسير على ما يرام.   

لقد قدم أمجد توفيق رواية تحمل العديد من الدلالات، لا تخلو من إشارات تدل على الوضع السياسي الذي يشهده العراق، وطبيعة التغييرات التي حدثت فيه، إضافة الى سبر غور الشخصية الأساسية التي تشعر بالخذلان رغم النجاحات المادية التي حصلت عليها، الا أنها تبقى تشعر بخواء روحي ما يؤدي بالنتيجة الى الأنتحار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى