الجديدمقالات

كتب السيرة الذاتية العربية بين الخيال والذاكرة

يوسف ضمرة

من الضروري أولاً أن نحاول الإحاطة بالمفهوم نفسه، قبل الحديث عن بنيته وضرورته وأحقية أحد دون الآخر، في اقتحامه كعالم خاص ومختلف كبصمة شخصية.

لقد خلط البعض بين السيرة والرواية واليوميات والمذكرات. وهو خلط يظهر مدى الأستهانة بالمفاهيم التي نتداولها فيما بيننا. ولا نستطيع أن نتناول هذه الأجناس جميعاً في مقالة عابرة، ولكننا نود تأكيد ضرورة التفريق بين هذه الأجناس، لأن في ذلك تيسيراً على المتلقي من جهة، وإنصافاً للكاتب من جهة أخرى.

وما نعرفه كأمر بدهي، هو أن لكل منّا روايته الخاصة. وهي الرواية التي أطلق عليها بعض النقاد في الغرب مصطلح “الرواية الأسرية”، كما جاء في كتاب الناقدة والباحثة الفرنسية مارت روبير “رواية الأصول وأصول الرواية”، على سبيل المثال. والرواية الأسرية قائمة على التحليل النفسي في المقام الرئيس، ومتابعة تغيرات الإنسان وسلوكياته منذ الولادة، بحيث تتميز كل مرحلة عمرية بخصائصها من حيث الميول وأحلام اليقظة والرغبات. ومن هنا تبدو الحاجة ضرورية لدراسة عقدتي أوديب وإلكترا ومفهوم الأبن غير الشرعي، كأمنية طفولية للخلاص من قيد سيكولوجي معقد.

هذه الرواية الأسرية ليست سيرة ذاتية، ذلك لأنها تقوم على عناصر وقواسم مشتركة بين الأشخاص، كما أنها لا تشكل نماذج متفردة لشخوص نموذجية مؤهلة للعب دور البطولة في أعمال روائية. فالفن عموماً هو اصطفاء لكل ما هو متفرد ومميز، وليس سرداً لما يعرفه الناس أينما كانوا.

وبإيجاز نقول إن اليوميات جنس أدبي مختلف، يقوم على تسجيل ما يمر به المرء كل يوم. وليس بالضرورة أن يكون مهماً أو أستثنائياً، لكن الأهم من ذلك كله هو أن اليوميات تستثني كثيراً من التفاصيل الحياتية التي قد لا يراها صاحبها جديرة بالتدوين، بينما قد تكون أكثر أهمية وأكثر صدقاً مما تم تدوينه. 

وتنطبق الحال ذاتها على المذكرات التي غالباً ما تتمحور حول موقع شخص ما، أو مهنة ما، أو أي شيء من هذا القبيل. أي إن المذكرات تستثني كثيراً من سيرة المرء لصالح الموضوع الرئيس، كما يحدث عند كتابة الشخصيات السياسية مذكراتها على سبيل المثال.

إغراء السيرة الذاتية

لقد لاحظنا في السنوات الأخيرة جنوح عديد من الكتاب والأدباء والشعراء إلى شواطئ السيرة الذاتية. ونحن لا نعترض على هذا الجنوح من حيث المبدأ، لأنه حق مشروع لأي كاتب. وحين نقول أي كاتب فإننا لا نعني كل من نشر كتاباً أو أكثر، وكل من قرأ أسمه في الصحف والمجلات، وكل من أخبره الأصدقاء أنه ملهم، وإنما نعني الكتاب الحقيقيين الذين تركوا بصمة في الحياة الثقافية أو الاجتماعية. وهي بصمة أدبية بالطبع. وبمعنى آخر فإن لدينا مئات وربما آلاف الشعراء والأدباء الذين قد تسول لهم أنفسهم كتابة السيرة الذاتية، من دون أي وازع، بل وربما بأندفاعة قوية إيماناً بأمتلاكهم رصيداً كافياً يؤهلهم لإطلاع الناس على خفايا وتفاصيل ورغبات وآمال وأقدار ومعاناة وكدح وشقاء قبل أن يصبحوا “نجوماً” كما يظنون.

حين قرأت سيرة بابلو نيرودا بقلمه، دهشت لصراحته وجرأته في أعترافاته ببعض الأخطاء التي أرتكبها، ومنها على سبيل المثال معاملته لعاملة التنظيف التي كانت تأتي إلى منزله حين كان سفيراً في سريلانكا! ولكني، وباستثناء “الخبز الحافي” لمحمد شكري، وبعض ما جاء في “بقايا صور” لحنا مينه، وبالتحديد عن الأب السكير، لم أقرأ في السير العربية ما يوحي بالصدق الموضوعي.

كتابنا وأدباؤنا يظهرون في سيرهم الذاتية انتقائيين حد الملل والضجر. فهم كادحون في صغرهم موهوبون عند أساتذتهم وينامون بلا عشاء غالباً. وتلفت انتباههم المرأة حتى قبل البلوغ. إنهم أشخاص استثنائيون في الآلام والرغبات والطموحات وأجتراح الأفعال الخارقة بالنسبة لأعمارهم. وفي الوقت نفسه لا نعثر في هذه السير على ملامح “ولو باهتة” لمساحات من الضعف أو السلوك المصنف سيئاً في مجتمعاتهم. إنهم رجال أشداء وهم فتية بعد، يتحملون مسؤوليات كبيرة وهائلة يعجز عن تحملها الكبار.

مثل هذه السير الذاتية، تحقق لأصحابها أحلام اليقظة التي لطالما خبروها وتشبثوا بها سنوات طويلة، ولكن هؤلاء يتناسون أو ينسون حقاً أنهم يؤكدون أن ذكورية المجتمعات التي ينتمون إليها ليست إلا حصيلة أفكارهم الحقيقية غير المقنعة في السيرة الذاتية. إنهم شجعان ومحبون ومعشوقون لدى النساء ونابغون قبل الأوان. ولا نعدم صنفاً آخر من هؤلاء، وهم أولئك الذين يميلون إلى تقمص دور المظلوم والضحية، حتى لو أضطر بعضهم الأمر أن يتاجروا بمرض أو بعلة تصيب الآخرين مثلهم تماماً.

بين الخيال والذاكرة

إن كثيراً من السير الذاتية التي أطلعت عليها، تفتقد الموضوعية والصدق، وتخلط ما بين السيرة والرواية من حيث الأتكاء على الخيال أكثر من الذاكرة. إنها سرد يجهد كي يبني لنا شخصيات مشتهاة ومتخيلة ومأمولة، لم يتمكن أصحابها من تحقيقها موضوعياً، فظلت مجرد حلم يقظة، وقد أتيح له الآن أن يتبلور كحقيقة موضوعية. تظل لنا ملاحظة ضرورية ولا بد منها، وهي في شكل سؤال: من الذي يحق له كتابة سيرته الذاتية؟.

عندما نتمعن في كثير من السير العربية، لا نرى – حتى بكل هذا التلاعب – أن أصحابها يمتلكون حاضراً مشعاً أو استثنائياً لكي يطلعوا الآخرين على مراحل من حيواتهم لا تهم أحداً سواهم. إنها مجرد أحلام يتاح لها أن تتحقق حتى لو كان ذلك على حساب ذائقاتنا وأهتماماتنا الأدبية والفكرية والاجتماعية.  إن كثيراً من هؤلاء لا يختلفون عن الجموع التي ينتمون إليها، بأستثناء المصادفة أحياناً، التي مكّنت أحدهم أو بعضهم من نشر قصيدة أو قصة في صحيفة ذات يوم، فراح يسطر الصفحات وينشر الكتب، ظناً منه أنه أنتقل إلى شريحة السائرين على الحد الفاصل بين العبقرية والجنون كما يدعون!.

وختاماً نقول، إن السيرة فن أدبي راقٍ وجميل ومهم، ولا ينبغي لها أن تتحول إلى بوق لتضخيم بعض الأصوات التي غالباً ما تدرك أن صوتها لم يكن مسموعاً تماماً طوال مشوارها الذي أمتد سنوات بلا جدوى على الإطلاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى