الجديدمقالات

الأدب الرقمي

أستضاف المنتدى الثقافي العربي في المملكة المتحدة يوم السبت الموافق السادس من شهر آب 2022 الكاتبة العراقية رشا فاضل للحديث في موضوع الأدب الرقمي.. ماذا يعني ؟ وما هي منهجيات العمل من خلاله؟ وما هو النص التفاعلي؟… أضافة الى ما يتعلق بالموضوع من تفاصيل أخرى لا غنى للمثقف العربي اليوم عنها… وقد شارك في الأمسية الثقافية عدد من الكتاب والأدباء مما أغنى النقاش وأضفى على الأمسية متعة الفائدة. وقد أوجز الدكتور عامر الصفار في نهاية الأمسية نشاطات المنتدى خلال الأشهر المقبلة. وقد كتب الدكتور تحسين الشيخلي مقالة مختصرة عن أمسية المنتدى فيما يلي نصها:

مساء السبت السادس من آب شاركت في الأمسية الثقافية التي نظّمها المنتدى الثقافي العربي في المملكة المتحدة على منصة الزووم تحت عنوان ( مبدعات من بلادي: الكاتبة رشا فاضل.. في محاضرة عن الأدب الرقمي ). و أدار الأمسية وقدم لها الصديق العزيز الدكتور عامر الصفار ..

قدّمت المتحدثة رؤيتها في موضوعة الأدب الرقمي و عرضت التجارب العربية و الدولية و نصوص متعلقة بها . كانت طروحاتها و كما أوضحتها مفاتيح للنقاش خاصة أن الأمسية حضرها نخبة من المثقفين العراقيين و العرب، و فعلا كانت طروحاتها مفاتيح لمغاليق كثيرة حيث أثارت جوا من النقاش الموضوعي الهاديء الذي تناول الموضوع من جوانبه المتعددة .

كان لي رأي في موضوعة الأدب الرقمي أحاول هنا ان أوجزه:

من وجهة نظري أن الأدب الرقمي أثار جدلا واسعا بين أصحاب صنعة الأدب، و حتى من المتخصصين في المعلوماتية، حيث الحديث عنها بسلبية مفرطةمع أنعدام الثقة. كما تعرض الدب الرقمي للنبذ وسوء الفهم، وهي ردود فعل يمكن ملاحظتها في الكثير عن ما كتب عنه، نظرا إلى أن الأدب نشاط يقوم على اللغة ولا زال يملك هالة قدسية. و أن تنتج الآلة أدبا، وأن تمضي أبعد من ذلك فتبدع شعرا، فهذا ما يثير أحيانا الإحساس بنوع من التدنيس، لأن الأمر يفهم بمثابة تخل عن القسم الأشد إنسانية فينا، أي عن الجزء الذي يعبّر عما هو أكثر صدقا وعدلا في أنسانيتنا كبشر ويعبر بالخصوص عن جميع أحاسيسنا ومشاعرنا. كما وينحدر بأحاسيسنا إلى مرتبة التجريد القابلة للعمليات الحسابية وهذا غير مقبول من قبل الكثيرين حتما.

ولد هذا الأدب في عصر الرقميات التي باتت تشكّل عنصرا هاما في ديمومة مفردات الحياة، مما أثار عددا من الأحكام المسبقة تنبع من المتخيل التكنولوجي المتشائم من المستقبل لدى البعض، وتنحدر لدى البعض الآخر من تفسير يقول بعبقرية التغييرات العميقة التي يلحقها هذا الأدب بالكتابة والقراءة والنص.

ولكن مثلما أثار ظهور الحواسيب منتصف القرن الماضي أسئلة فلسفية بطبيعة أستخدامها تجلى في المقال الذي نشره العالم البريطاني آلان تورنغ ( هل الحاسوب يفكر ؟ ) والذي قاد الى التفكير بالأمر و أدى الى ظهور الذكاء الأصطناعي ، علينا أن نثير أسئلة مشابهة حول مفهوم الأدب الرقمي ، مثل :

هل أن الأدب الرقمي الموجود حاليا هو رقميا بالفعل ؟

هل تعبّر الرواية و القصيدة الرقمية عن عالم جديد؟ أم أن الوسيط الإلكتروني الجديد هو الذي فرض نفسه؟ ..

علينا أن نميّز بين التعبير عن عالم جديد والتعبير بأدوات جديدة. وهل أصبح العالم خاضعاً لهيمنة الفضاء المعلوماتي حتى نكون بحاجة ملحة إلى التعبير عنه؟ أم أن وجود وسيط تواصلي جديد هو الذي يوحي إلينا باستخدامه؟

أنا أفترض أن الفضاء المعلوماتي أصبح واقعا نعيش بين حدوده اللامتناهية التي تتغير كل يوم مع التقانات الجديدة له، و اننا ملزمون بالتعامل مع هذا الفضاء وفق شروطه و أشتراطاته، و ليس وفق ما تعوّدنا عليه سابقا و ألفناه. فجيل الحاضر والذي سيشكل جيل المستقبل ( والمفترض ان يكون هو المتلقي لكل أبداع معرفي ) ملتصق بالأدوات الرقمية وهي مرجعتيه المعرفية التي تشكّل شخصيته، واذا ما أردنا ان نكتب أبداعا أدبيا علينا ان نأخذ بالأعتبار ان المتلقي اليوم و حتى بعد عقد من الزمن لن يقرأ الاّ ما موجود على شاشاته، و يميل الى التفاعل مع كل ما يقرأه . لذا علينا تقديم نصوص تلائم مفاهيم القراءة الجديدة، و القاريء الجديد، وجعله يتحرك في خصائص جمالية لهذه النصوص تبرز نفسها عبر الأستفادة من الإمكانيات الهائلة لوسائل التواصل الرقمي.

فكرة الأدب الرقمي لا زالت تعاني قصورا شديدا في فهمها كنمط جديد من الأبداع ضمن الفضاء المعلوماتي، بسبب التعامل معها بسطحية، حيث يعتبر الكثيرون أن أي جنس أدبي على الإنترنت هو أدب رقمي! وهذا مفهوم خاطيء. فالفرق بين تحويل النصوص الأدبية الى صيغة رقمية، و أنتاج نصوص أدبية بأستخدام الخوارزميات الحاسوبية كبير ، فالأول هو جزء من عملية الرقمنة التي تحافظ على أرثنا الابداعي، و أتاحته لجيل لا يقرأ الا على شاشته. و الثاني هو جنس أبداعي تشارك الآلة في أنتاجه، وهو أمتداد طبيعي لتطور أشكال الكتابة الأدبية تبعا للتطور العلمي والتكنولوجي الحاصل في البنية المجتمعية التي تنتج النص الأدبي، وهو كغيره من التجارب الإنسانية التي تحاول أن تعبر عن روح العصر، وتستفيد من جديد معطياته. حتى ما يكتب فقط على الفضاء المعلوماتي بأي شكل كان هو ليس أدبا رقميا أنما أستثمار أدوات هذا الفضاء للنشر فقط.

الأدب الرقمي، هذا النوع من الابداع الأدبي غيّر المعادلة المعهودة التي تضم في أطرافها المؤلف و النص و القاريء ، فجعلت من دور القاريء أيجابيا تفاعليا، بدلا من أن يكون سلبيا و يقتصر عليه ان يكون متلقيا فقط .

بنظرة استشرافية بسيطة يمكن ان أقول ان الأدب الرقمي هو أدب المستقبل، و بدلا من أن نضعه في موضع الريبة والشك و التنكيل و النكران، علينا ان ندرسه كظاهرة أدبية..نفكّكها و نحلّل خطابها، بما ينتج معرفة بمنطقها و خاصة في التحّول في موقع القاريء ووظيفته وفعله.

كما أن تواجد الأدب الرقمي لا يعني بالضرورة موت الأدب بشكله النمطي المتعارف عليه، فهما يتعايشان معا جنبا إلى جنب دون أن تنفي خصوصية أحدهما الأخرى، بل أن الأنخراط في هذا الأدب الجديد قد يعد مطلبا حضاريا. فإذا ما عدنا إلى مختلف الأشكال التعبيرية القديمة والحديثة، سنلاحظ أنها وحدها التي عبّرت عن قدرتها على أحتضان معنى وجود الإنسان في كل مرحلة تاريخية، فكما أن للأدب قدرة فائقة على التأقلم في أي قالب يوضع، كذلك نحن علينا أن نتكيف، فالنصوص الأدبية بحسب جون سذرلاند أستاذ الأدب الإنجليزي الحديث، مهما كانت متواضعة الشأن، فهي تطرح في مرحلة ما أسئلة ( What does all this mean? Why are we here? ما معنى كل هذا؟ لماذا نحن هنا؟) فالأدب هو المنتج الإبداعي المدهش للعقل البشري وسيظل إلى الأبد بكل أشكاله الجديدة جزءا من حياتنا.

لا شك أن الأدب الرقمي لايزال في مراحله الأولى، ومن الصعب جداً إعطاء إجابات قاطعة حول الأسئلة المطروحة، فليس من المنطقي أتخاذ مواقف أو اتجاهات محددة أو ثابتة، بل لا بد من العمل على تكوين وعي معرفي مناسب للقادم الجديد، عبر حلقات منظمة من الحوار والنقاش، من خلال شراكة حقيقية بين الأدباء والعلماء، وكذلك علماء اللغة واللسانيات، ورواد النظريات النقدية الأدبية المتخصصة.. لأنه ليس أمامنا إلا أن نواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، فالحياة المعاصرة أصبحت تعتمد عليها بصورة شبه كلية، كما سيتوجب علينا مستقبلاً أن نبتكر أساليب جديدة وفنيات بديلة، وربما أجناساً أدبية أخرى.

شكرا للمنتدى الثقافي العربي في المملكة المتحدة و شكرا للاستاذ الدكتور عامر الصفار الذي يختار محتوى موضوعي مؤثر في كل مرة . وشكرا للكاتبة رشا فاضل على تناولها الموضوع بعلمية و موضوعية.

يسّر موقع أقلام الثقافي مشاركة القاريء التسجيل الكامل لمحاضرة الكاتبة رشا فاضل عن “الأدب الرقمي”..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى