قصة قصيرة: سيانيد

225041_169564193098862_100001358484673_358062_8360465_n[1]

كتب الدكتور عامر هشام

(التخطيط للفنان فيصل لعيبي)

..  وضع مسجّل الصوت جانبا على منصة أنيقة مليئة بأوراق ومصادر تخّص محاضرته حول الطب العدلّي…. لا يحب التكرار في كلّ فصل دراسيّ.. خصوصا عندما يكون أمام طلبة كلية الطب الجدد.. عندما وصل قاعة المحاضرة اليوم في تمام الساعة العاشرة صباحا، لم يجد زميله الذي يرافقه في كل محاضراته… لعله لم يستطع الوصول للكلية اليوم، فالطريق على جسر الشهداء القريب كان مزدحما بشكل غير طبيعي… وضع نظّارته ووقف مفتعلا أبتسامة… رآه أمامه ذلك الطالب المولع بكتب التراث والتاريخ… تذكّر أنه أعطاه قبل أيام قليلة مقالة عن كتاب “القانون لأبن سينا” لينشرها في جريدة (طب وعلوم).

بدأ محاضرته ومسجّل الصوت يدور.. وهو يرسم على السبورة السوداء مدخل ومخرج طلق ناريّ… تعب.. أستراح قليلا.. وأنهى المحاضرة مبكرا. عدّل من سترته ووضع وردة حمراء في جيبه العلوي الأيمن وترك القاعة حيث الأحتفال في نادي الكلية بمناسبة عيد المرأة… الكل هناك، ضوضاء… موسيقى صاخبة… ونقاشات حادة أحيانا، لا يعلم مواضيعها… وأستاذ فؤاد بينهم صديق… الكلّ يحبونه .. بعد دقائق من الساعة الواحدة ظهرا تتقدم الطالبة ذات النظّارة السميكة، والوجه المدوّر المتعب بمكياج غريب نحو الأستاذ… تتمايل بغنج ضاحكة، وهي تقدّم قناني الكولا للضيوف… يكرع القنينة في أقلّ من دقيقة… جفّ ريقه بعد محاضرته الصباحية…. وبعد أقل من دقيقة أخرى.. تتوقف ساعة الزمن.. فقد توقّف نبض الأستاذ وتوقّف النفس… وسرقت منه الروح بعد أن لامس السّم  في الشراب حويصلات الرئة…. لاأحد يجرؤ على لمس الجسد المسجّى في المستشفى القريب… الكل توقّع ماحدث.. الا الأستاذ فؤاد نفسه!.

تذّكره اليوم بعد أن وجد كتابه الجديد الذي ألّفه حينها وأهداه النسخة الأولى منه. كان عنوان الكتاب (دراسة في السموم)…..  لقد عقدت الدهشة لسانه وهو يقرأ الأهداء بخط الأستاذ الجميل “الى أبني الطالب النجيب.. أذا مت مسموما فلا نزل الدمع  .. أحفظ الذكرى”

د. فؤاد

كلية الطب، بغداد في شباط 1986

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى