الجديدمقالات

أستقالة رئيسة وزراء بريطانيا..ما هي الأسباب؟ ومَنْ سيكون رئيس الوزراء القادم؟

عامر هشام الصفار

عندما ينظر التاريخ السياسي لهذه المرحلة في الحياة السياسية التي تعيشها المملكة المتحدة فأنه بالتأكيد سيصفها بأنها مرحلة أستثنائية غير مسبوقة.. وهي بالتالي مرحلة زمن قلقة غير مستقرة في وقت يتوجب فيه توفر قيادات حكيمة في العالم، وفي دولة كبيرة مهمة في الخارطة السياسية العالمية مثل المملكة المتحدة. فاليوم العشرين من شهر تشرين أول/ أكتوبر 2022 أستقالت رئيسة وزراء المملكة المتحدة السيدة ليز تراس عن منصبها حيث أتصلت بالملك تشارلز الثالث لتبلغه بقرار الأستقالة، وكما يتطلب ذلك البروتوكول المعمول به على مدى قرون..

ولابد لنا قبل التحليل في أسباب أستقالة رئيسة الوزراء والتي أنتخبت قبل ستة أسابيع فقط لتكون رئيسة لحزب المحافظين الحاكم وبالتالي رئيسة للوزارة،  من أن نلخص أهم التحديات التي تواجه المملكة المتحدة على صعد السياسة والأقتصاد، لأن ذلك كفيل بأطلاع القاريء على حجم المسؤولية التي يضطلع بها من يكون رئيسا للوزارة في البلاد، وبالتالي فأن الفشل في أيجاد الحلول المناسبة للمشاكل والتحديات لابد من أن يؤدي الى التغيير.. وهو ما يحصل اليوم..

تحديات سياسية:

لقد كان لخروج بريطانيا من الأتحاد الأوروبي والسوق الأوروبية المشتركة عام 2020 تبعاته على الحال السياسي، وهي تبعات مباشرة وغير مباشرة… والخلاصة أن الأنقسام الذي عبّر عنه تصويت الشعب البريطاني بشأن الخروج من الأتحاد الأوروبي عام 2016 ظل قائما، وبالتالي فأن النخب السياسية وخاصة أعضاء حزب المحافظين الحاكم ظلوا يبحثون عن الأسلوب الصحيح سياسيا وأقتصاديا والذي يتوجب نهجه بريطانيا، حيث خرجت البلاد  من أطار أوروبا وسوقها المشتركة،  وقوانينها وسلطاتها..

وقد هدّد خروج البلاد هذا من الأتحاد الأوروبي وحدة المملكة المتحدة نفسها حيث راح الحزب الوطني الأسكتلندي والذي يقود الأغلبية من شعب أسكتلندا، يدعو الى أستقلال مقاطعة أسكتلندا عن المملكة المتحدة، حيث أن الشعب الأسكتلندي قد صوّت لصالح البقاء في أتحاد أوروبا. وعلى ذلك ظلّت قائدة هذا الحزب السيدة ستيرجون على خلاف مع قيادات الحكومة على ضرورة تعيين موعد لتصويت الشعب الأسكتلندي على أنفصال أسكتلندا عن المملكة وذلك خلال العام المقبل 2023. أضافة الى تداعيات البريكست أو خروج بريطانيا من أتحاد أوروبا على الحال السياسي في مقاطعة أيرلندا الشمالية، وما أصطلح عليه بالبروتوكول الأيرلندي، والذي ينظّم التجارة البينية بين أيرلندا الشمالية (في بريطانيا) ودولة ايرلندا (وعاصمتها دبلن) حيث أنها دولة ضمن أتحاد أوروبا، مما سببّ العديد من التداخلات والتعقيدات في الحال السياسي الأيرلندي، حيث بقيت أيرلندا الشمالية دون حكومة محلية ومنذ فترة ليست قصيرة.

ثم ان الحرب الروسية الأوكرانية وهي الحرب التي أعتبرت أول حرب في القارة الأوربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد أستوجبت على القيادة السياسية البريطانية أتخاذ موقف واضح يناصر الموقف الأميركي والأوروبي، خاصة وأن بريطانيا كانت تتحدث دوما عن العلاقة الخاصة مع  الولايات المتحدة الأميركية. ولأن الحرب قد طالت وأصبحت لها أنعكاساتها على سوق الطاقة والغذاء العالمي، أستوجب ذلك على القائد السياسي البريطاني من أن يكون حاذقا في أيجاد الردود الصحيحة للتحديات في هذا الجانب المعقد والشائك.

تحديات أقتصادية:

لعل أهم التحديات الأقتصادية التي تواجهها المملكة المتحدة حاليا هو الحفاظ على معدلات نمو أقتصادي مناسب في البلاد، والمحافظة على أستمرار نسب أستثمار أقتصادي عالمي في المملكة يتناسب وموقعها الأقتصادي المأمول، وبما يكفل عودة الأزدهار للسوق البريطاني وأنتعاش العملة المحلية، والمحافظة على المستوى المعاشي الذي تعوّد عليه المواطنون.

ومن هنا نأتي على أسباب أستقالة رئيسة الوزراء الحالية في بريطانيا السيدة ليز تراس أو أجبارها حزبيا على تقديم أستقالتها. فخلال فترة الأسابيع القليلة الماضية سعت تراس من خلال خطة وزير ماليتها السابق السيد كوارتنك الى التركيز على تخفيض نسب الضرائب على المواطنين، بما فيها الطبقة الغنية من أبناء المجتمع والتي تتجاوز رواتبهم السنوية أكثر من 150 الف باوند، حيث أقترحت عبر موازنة البلاد، تخفيض نسبة الضرائب هذه من 45% الى 40%..على ان يتم تخفيض الحد الأساس في ضريبة الدخل من 20% الى 19%. كما تعهدت بأجراءات أخرى ظنت أنها ستساعد على النمو الأقتصادي وتشجيع الشركات على أن تستثمر أموالها في بريطانيا بدلا من البحث عن بلدان للأستثمار أخرى.. فكان أن قررت تخفيض الضريبة على أصحاب الشركات والمشاريع لتبقى 19% كما هو معمول به حاليا وعدم زيادته الى 25%.

ولكن المشكلة التي فاجأت وزير المالية ورئيسة الوزراء نفسها أن السوق العالمي قد أبدى تحفظات كبيرة على هذه الموازنة البريطانية، وعلى الأموال الضخمة التي ستستدينها الحكومة لغرض تخفيض الضرائب والمحافظة على أسعار الطاقة والمحروقات على المواطنين عند حد 2500 باوند في العام ولفترة عامين كما كان القرار. وهنا حدث ما لم يكن متوقعا من قبل رئيسة الوزراء حيث أنخفضت قيمة العملة الباوند أمام الدولار، وأرتفعت نسبة الفائدة على القروض بما فيها قروض الحكومة، وأمتنعت الشركات الكبرى عن الأستثمار في البلاد وذلك نتيجة عدم الأستقرار المالي الذي صنفّت به بريطانيا، حتى ان مسؤولي البنك الدولي لم يخفوا علامات الدهشة والصدمة التي أصابتهم لفشل الحكومة في تقديم آراء مستقلة من الأقتصاديين بشأن خطة الموازنة،  والتي أعتمدت منهج القروض لتقليل الضرائب بغية تحقيق نمو أقتصادي لا يمكن له أن يتحقق بهذا الأسلوب.

وهنا صار القرار بأقالة وزير المالية نفسه والذي تم أستدعاءه على عجل من أجتماعه الأقتصادي الدولي في واشنطن، لتتم أقالته خلال دقائق من وصوله لمطار هيثرو في لندن. وحال تعيين وزير المالية الجديد السيد هانت لجأ بدوره الى ألغاء 99% من قرارات زميله الوزير المُقال، مما أحرج رئيسة الوزراء، والتي حاولت التملص من أسئلة كثيرة ظل الأعلاميون والمختصون يسألونها.

لقد كان لأستمرار معاناة الناس وتدهور مستوى المعيشة وفشل الخطة الأقتصادية التي جاءت بها ليز تراس، الدور الكبير في أشاعة روح عدم الأنضباط داخل حزب المحافظين الحاكم، وخاصة عند أعضاء هذا الحزب من البرلمانيين، مما أفقد رئيسة الوزراء الدعم الحزبي الذي لا يمكن أن تقوم بالحكم بدونه. وقد تجلى ذلك بكل وضوح مساء البارحة 19 تشرين أول عندما صوّت البرلمان البريطاني على أستمرار التنقيب عن الوقود الأحفوري في مناطق محددة من البلاد.. فقد أثير موضوع أجبار عدد من نواب الحزب الحاكم على التصويت لصالح الحكومة والاّ فسيعاقب النائب الذي يعبر عن رأيه ويرفض التصويت أيجابا وحسب ما تريده رئيسة الوزراء.  

مَنْ سيكون رئيس الوزراء القادم؟

أن النظم الديمقراطية تسعى لأن تمارس العمل السياسي ضمن أطار المنهج الذي تستوجبه الحياة البرلمانية الصحية في البلاد.. ومن ذلك أحترام الدستور ومنهج الحزب… وعليه حددت رئيسة الوزراء المستقيلة فترة أسبوع واحد لأنتخاب رئيس وزراء جديد في البلاد، هو الثالث هذا العام بعد أستقالة بوريس جونسون في الصيف الماضي. ورغم أن أنتخاب الرئيس الجديد هو من حق الحزب الحاكم في البلاد  لأنه الحزب الذي أنتخبه الشعب في أنتخابات عامة جرت عام 2019، ولكن زعيم حزب العمال المعارض في البلاد دعى اليوم الى أنتخابات عامة جديدة، فلا يمكن أن يظل الحزب الحاكم مغيّرا في قياداته دون اللجوء الى الشعب الذي هو أساس الحكم، ليختار من جديد الشخص المؤهل لأن يقود دفة الحكم في البلاد.

وبعيدا عن هذا الجدل السياسي تبقى حظوظ السيد ريشي سوناك (وزير مالية سابق من حزب المحافظين) عالية في قيادة الحزب، فهو الذي أثبتت الأيام التي مضت صحة نظريته الأقتصادية حيث كان قد حذر ليز تراس من نهج تخفيض الضرائب غير المدعوم ماليا…كما كان قد جاء ثانيا في السباق لمنصب رئيس الوزراء الشاغر حاليا ولو الى حين. ولابد من القول هنا أن رئيس الوزراء المستقيل بوريس جونسون لا زال يراقب وضع حزبه بأهتمام، ولا شيء يمنعه ضمن قانون الأحزاب البريطاني من أن يرشح نفسه ليعود الى كرسي رئاسة الوزراة من جديد!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى