الجديدمقالات

في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي: ستيفن سبيلبرج والحب..

محمد صبحي

أفتتح مهرجان القاهرة السينمائي دورته الرابعة والأربعين (أختتمت أعمالها يوم الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2022)، بعرض فيلم «آل فابلمان» أحدث أفلام المخرج ستيفن سبيلبرج، والذي يتناول طفولة المخرج الأمريكي وبداياته في عالم السينما.

وتحتل الطفولة مكانة مميزة في أفلام ستيفن سبيلبرج (75 عامًا). وفي بعض الحالات، هناك في أفلام سبيلبرج أطفالٍ يضطلعون بأدوار البطولة، ونزاعات أسرية تحتل صدارة موضوعات بعض أفلامه، كما في «E.T.» (1982) أو«إمبراطورية الشمس» (1987)؛ وفي حالات أخرى، فأن الأطفال يعدون كمصدر للإلهام، مما يعكس اهتمامات وشواغل نمّاها المخرج منذ بواكيره الواعية، كما في أفلام سلسلة إنديانا جونز وتقريبًا جميع أعماله في فئة الخيال العلمي.

وبرغم ذلك، لم يخصّص سبيلبرج فيلمًا واحدًا لرواية قصة طفولته. الآن تغيَّر هذا المعطى. صحيح أن عائلة فيلمه الجديد، آل فابلمان، تملك لقبًا مختلفًا عن المخرج، ولكن لا نيّة لإخفاء حقيقة أن هذه الشخصيات الخيالية صُمّمت على غرار عائلته وأن البطل سامى فابلمان ليس سوى الأنا السينمائية المتخيّلة لسبيلبرج ذاته.

ويقدّم الفيلم الجديد للمعلّم الأمريكى نظرة صادقة على التجارب والمحن والمباهج التى نشأ معها وأختبرها فى سنوات طفولته ومراهقته، إنما قادمة عبر مرشّح حكائى متخيّل. فالبطل سامى فابلمان، تمامًا مثل سبيلبرج، أنتقلت عائلته من نيوجيرسى إلى أريزونا أستقرت فى كاليفورنيا، حيث وقع هناك فى حبّ السينما.

وعمل على إتقان هوايته بمساعدة أصدقائه مبتكرًا تقنيات خاصة بالكاميرا. والفيلم يحتوى على المنطق الحاكم لذكريات المرء عن حياته الخاصة، حيث يمكن الشعور بألم حدثٍ ماضٍ كأنه طازج لا يزال بعد سنوات عديدة.

ولا تزال تطبعه الميلانكوليا الناتجة عن تلك الحقبة الضائعة ومَن عاشوها معه. مزيجٌ صعب ومراوغ لألتقاطه على الشاشة، وهي خطوة محفوفة بالمخاطر وطموحة، مع أحتمال كبير للفشل… إلا إذا كان سبيلبرج وراءها.

يمكن المجادلة كثيرًا حول أنحيازات سبيلبرج السياسية، لكن عندما يتعلّق الأمر بقدراته الفنية على تقديم سينما مبهرة ومؤثرة، فهذا أمر خارج التقييم أصلًا. هنا يستدعى سبيلبرج العديد من مساعديه المعتادين، من بينهم الملحّن جون ويليامز والمصوّر السينمائى يانوش كامينسكى، حيث يعتبر عمله أساسيًا فى بناء تناسق وتماسك الفيلم؛ حتى مع تنوّع أستكشافاته الموضوعية والنوعية. أما تونى كوشنر (الحائز على جائزة بوليتزر فكانت لديه مهمة معقدة تتمثل فى كتابة سيناريو سينمائى عن حياة سبيلبرج بالمشاركة مع صاحب الشأن ذاته.

وحين رؤية النتيجة النهائية، يبدو أن كاتب السيناريو الموهوب، الذى تعاون مع سبيلبرج سابقًا فى كتابة «لنكولن» و”قصة الحىّ الغربى، كان الخيار الصحيح للعمل كوسيط ناظم وجامع بين ذاكرة شخصية والسردية الفيلمية المفترض أن تتحوَّل إليها.

 وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى الطريقة التى تعامل بها كاتبا السيناريو مع التحوّلات فى نبرة الفيلم ومِزاجه، بدءًا من الفكاهة المطلقة إلى الدراما العائلية.

الحبّ هو الموضوع الرئيس للفيلم، من العائلى مرورًا بالرومانسى وصولًا إلى الشغف المستمر بالسينما. يتعيّن على كل شخصية أن تتعامل مع كيفية تلاقى أو تصادُم مشاعرها بمشاعر الآخرين.

وتتنافس أنواع الحبّ المختلفة مع بعضها البعض وتتغذّى أيضًا على بعضها البعض. من الواضح فى «آل فابلمان» أن سبيلبرج نشأ محاطًا بالحبّ، حتى فى الأوقات الصعبة مثل نهاية زواج والديه. وأن حبّه للسينما كان قوة غامرة ومحدِّدة، كما سيتبيّن لاحقًا، أكبر بكثير من مجرد هروب من الواقع، بل عينًا ثالثة يرى بها الحياة ونفسه والحقيقة.

وتضفى جينى برلين لمسة من الفكاهة اللاذعة على شخصية إحدى الجدّات، وتلعب جوليا باتيرز (الطفلة المذهلة من فيلم «ذات مرة فى هوليوود» لكوينتين تارانتينو) دور إحدى أخوات سامى الصغيرات، لتثبت أن تألّقها فى فيلم تارانتينو لم يكن من قبيل الصدفة.

آل فابلمان  فيلم مؤثر ومثير للمشاعر، ليس بسبب تأثيره المستمر بعد أنتهائه وإطلاقه العنان لتأمّل المرء فى حياته الخاصة، وإنما كعمل أصيل قادر على توليد عاطفة صميمة تنشأ عندما يروى حكّاء قدير حياته ويستكشف كيف ساعدته قوة السينما على رؤية الحقيقة.

وسيكون لموضوعى العائلة والزواج صدى لدى معظم المشاهدين؛ لكن الطريقة التى يؤطَّر بها الفيلم علاقة سامى/ سبيلبرج بالسينما، عاطفية بأمتياز، لأولئك المعجبين بسينما المخرج مثلما لأولئك الذين يحبون السينما ككل.

وأستمتع المخرج بأستعادة أفلام عّدة (سوبر 8) صوّرها عندما كان مراهقًا، مستعينًا بشقيقاته وزملاء الكشافة كطاقم تقنى وتمثيلى؛ وفى تلك الاستجمامات والتسليات، الآن مع موارد أكبر، من الواضح أنه لم يفقد أبدًا حماسه للتصوير.

أن مشاهدة أستحضار بدايات وتطوّر أحد أعظم المخرجين فى التاريخ، فى فيلم أنجزه بنفسه؛ أنما تعد تجربة تسكن مباشرة قلوب عشّاق ومحبّى السينما. كما هو الحال مع المشهد الأخير من الفيلم، المكتنز بالفكاهة، وبشخصية لا تُنسى من الأفضل عدم الكشف عنها، تُختتم القصة بدعابة بصرية تلخّص ما نعرفه بالفعل: عندما يتعلّق الأمر بالسينما، يفهم سبيلبرج كل شىء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى