من أعلام الطب والجراحة في العراق: الدكتور نزار الحسني والجراحة الصدرية

1

كتب الدكتور عامر هشام

أذا كنا من المهتمين بالتخطيط لمستقبل علمي زاهر للوطن، فلا بد من أستلهام عبر ودروس مسيرة العطاء لعلماء أفذاذ، لم يدّخروا وسعا لخدمة البحث العلمي وأستراتيجيته في ماض  قريب.

عرفت الأستاذ الدكتور نزار الحسني وأنا طالب في المراحل النهائية من دراستي الطبية في كلية طب جامعة بغداد وذلك في عام 1978-1979..فقد كان محاضرا في موضوع الجراحة وعلومها. وأتذّكره حريصا كل الحرص على أن يكون جميع الطلبة حاضرين محاضرته ومنتبهين لها..وعندما ذكرت له يوما أن قراءة الموضوع في الكتاب المقرّر قد يكفي، قال: لا يمكن أن يصّح هذا في كل الأحوال، فالأستاذ الجيد في كلية الطب يعتمد في محاضرته عشرات المصادر أضافة للخبرة الشخصية قبل أن يلتقي طلابه بحصة التدريس.. وهكذا كان الحسني…

ولد نزار باقر السيد أحمد الحسني في عام 1932 في بغداد.. وكان والده من المساهمين شبابا في الثورة العراقية الأولى سنة 1919-1920..وأمينا في البلاط الملكي الذي عيّنه فيه ملك العراق فيصل الأول في العشرينيات من القرن الماضي..وهكذا نشأ نزار في بيت تملأ اجواءه الروح الوطنية مع الحرص على التعّلم والتفوق..فكان أن أكمل دراسته الطب في جامعة عين شمس بالقاهرة وحصل على البكالوريوس في الطب والجراحة عام 1957، ليكمل مسيرة تخصّصه الطبي فيكون زميل كلية الجّراحين في أدنبرة بسكوتلندا في عام 1972.

ومن المعروف في التاريخ العراقي الطبي أن عام 1963 كان قد شهد تأسيس ثلاثة مراكز في بغداد لجراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية، كان أولها في المستشفى الجمهوري (ضم الأساتذة يوسف النعمان ومؤيد العمري) وثانيهما في مستشفى الكرخ الجمهوري (وضم نزار الحسني، محمد البربوتي والدكتور حسين المشاط). أما المركز الثالث لجراحة الصدر فقد كان في مستشفى مير الياس أو مستشفى الشعب وبأشراف الدكتور عدنان سرسم حينذاك..

وقد عيّن الدكتور نزار الحسني عام 1974 على ملاك كلية الطب بجامعة بغداد مدرّسا للجراحة اضافة الى عمله جرّاحا أختصاصيا في شعبة جراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية في مستشفى مدينة الطب ببغداد، فتخرّجت على يديه مجاميع من أطباء العراق الذين تبّوأ الكثيرون منهم مراكز علمية متقدمة في العراق وخارجه..

ثم أن الأستاذ نزار الحسني تدرّج في مناصبه الجامعية الطبية ليكون الأستاذ الأول في كلية الطب بجامعة بغداد في عام 1994 وليصبح رئيس شعبة جراحة الصدر والقلب والأوعية الدموية في مستشفى مدينة الطب ثم رئيسا للمجلس العراقي للأختصاصات الطبية في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عام 2006 حتى تقاعده العام الماضي..

ومما تتمّيز به المسيرة الطبية الجراحية لأستاذنا نزار باقر الحسني نذكر بأختصار ما يلي:

أولا: أنه من أوائل الجراحين العراقيين الذين ربطوا بين المشاكل الطبية او الصحية التي يعاني منها الأنسان العراقي والحالة الأجتماعية-البيئية والتعليمية لهذا الأنسان..فكان ان تتالت بحوثه ودراساته حول ظاهرة وجود الأجسام الغريبة في المجاري التنفسية للأطفال خصوصا..وكانت أشاراته المستمرة لضرورة أنتباه الوالدين الى حوادث بلع حبّات فاكهة (الركّي) حيث تذهب هذه الحبّة الى المجرى التنفسي خطأ، مسببة مشاكل الألتهابات الرئوية بل وحتى الأختناق للأطفال..وقد لاحظ الحسني أن مثل هذه الحوادث تزداد صيفا بزيادة تناول (الركّي) وهو من الزهيد ثمنا والمستطاب صيفا من أفراد المجتمع..يقول في بحث له حول الموضوع..أن ما يقرب من 62% من الأجسام الغريبة التي أزالها من مجاري التنفس لمرضاه بواسطة الناظور الخاص بذلك انما كانت حبات ركّي..!.

ثانيا: أنه من المنادين دائما بالأنتباه لمشكلة الأكياس المائية في العراق والتي أعتبرها محقّا سرطان العراق الحقيقي..فقد عمل مبضعه الجراحي في صدور المئات من المرضى لأزالة الأكياس المائية من رئاتهم وقلوبهم..ونشر بحوثه بشكل مكثف في الدوريّات الطبية المحلية والعالمية، مركّزا على أهمية الوقاية من مرض الأكياس المائية والتي لا تكون دون الحفاظ على بيئة نظيفة وعادات غذاء صحيحة وتعامل مع الكلاب السائبة بشكل يضمن سلامة الأنسان..ولا أنسى هنا محاضرته قبل سنتين في لندن وفي مؤتمر الجمعية الطبية العراقية العالمية حين ذكّر الحضور بأستغراب المستمع الغربي لدعوته للحدّ من ظاهرة الكلاب السائبة لأنها مصدر نقل مرض الأكياس المائية للأنسان، وهو أستغراب يتّأتى من الفروقات البيئية والعادات الأجتماعية. والأكياس المائية مرض طفيلي ينتقل للأنسان بعد تلوث غذائه أو مائه ببيوض طفيلي المرض الذي تنام دودته الأم في أمعاء الكلاب..

ثالثا: كان الدكتور نزار الحسني من أوائل الأطباء العراقيين الذين تدّربوا وبالتالي عملوا بمهارة في علاج مرض السل الرئوي جراحّيا في العراق. يذكر الحسني في أحد مقالاته أنه  تدرّب في مستشفى الأمير عبد الآله في عام 1959 في العراق على يد الجّراح البريطاني توماس كيلي، حتى أذا كان زميله وقتذاك الدكتور عمر دزه ئي غائبا، لم يجد ضيرا من أن يحّل محله لمساعدة الجراح كيلي في العمل  في ردهة الأمراض الصدرية..ومما يستنتجه الأستاذ نزار في علاج مرض السل، أنه علاج دوائي أصلا وقبل أن يكون علاجا جراحيا ولكنه من المهم جدا التوصل الى أختيار الوقت المناسب لتداخل جراحيّ في علاج مرض السل الرئوي والذي كان منتشرا بين العراقيين في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي..

بقي لي ان أذكر أن لنزار أخا طبيبا، وهو الأستاذ طبيب الأطفال سامي الحسني وأختا طبيبة هي الدكتورة نوال الحسني والتي كانت قبل تقاعدها مشرفة على الدراسات الوبائية لمرضى السرطان في العراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى