أخبارالجديد

الناقد الأستاذ صلاح فضل.. في ذمة الخلود

نعت الأخبار من مصر العربية يوم السبت العاشر من ديسمبر/ كانون الأول 2022 الناقد الأدبي الأكاديمي الدكتور صلاح فضل وذلك عن عمر 84 عاما بعد مسيرة عطاء زاخرة بالمنجزات.. فقد كان الفقيد رئيسا لمجمع اللغة العربية في القاهرة ..كما شغل منصب رئيسا لدار الكتب والوثائق القومية.. ومن مؤلفاته وهي بالعشرات كتابه المهم “أساليب السرد في الرواية العربية”.. وكتاب “مناهج النقد المعاصر” وكتاب “منهج الواقعية والأبداع العربي”…

وذكر مجمع اللغة العربية، في البيان الصادر عنه، أن فقيد الفكر والأدب والمجمع، د.صلاح فضل، صاحب مسيرة علمية حافلة بالعطاء والإنجاز، فهو ناقد أدبي بصير بفنون الأدب العربي والأدب المقارن ونظرية الأدب ومناهج النقد الحديث، ومترجم.

ولد الدكتور صلاح فضل، عام 1938، أما عن حياته التعليمية، فقد أجتاز المراحل التعليمية الأولى الإبتدائية والثانوية بالمعاهد الأزهرية. ومن ثم حصل على ليسانس كلية دار العلوم، جامعة القاهرة عام 1962.

عمل معيدا بالكلية بعد تخرجه حتى عام 1965، سافر إلى أسبانيا في بعثة للدراسات العليا، وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة مدريد المركزية عام 1972، كما عمل أثناء بعثته مدرسا للأدب العربي والترجمة بكلية الفلسفة والآداب بجامعة مدريد منذ عام 1968 حتى عام 1972، وتعاقد خلال الفترة نفسها مع المجلس الأعلى للبحث العلمي في إسبانيا للإسهام في إحياء تراث ابن رشد الفلسفي ونشره.

عمل بعد عودته أستاذا للأدب والنقد بكليتي اللغة العربية والبنات بجامعة الأزهر، وأنتقل للعمل أستاذا للنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية الآداب بجامعة عين شمس منذ عام 1979، كما أنتدب مستشارا ثقافيا لمصر ومديرا للمعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد بإسبانيا منذ عام 1980 حتى عام 1985. رأس في هذه الأثناء تحرير مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد. أختير أستاذا شرفيا للدراسات العليا بجامعة مدريد المستقلة.

أنتدب الأستاذ فضل بعد عودته إلى مصر عميدا للمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بمصر منذ عام 1985 حتى عام 1988، وعمل أستاذا زائرا بجامعات صنعاء باليمن والبحرين حتى عام 1994. كما عمل أستاذا للنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية الآداب بجامعة عين شمس ورئيسا لقسم اللغة العربية، وعمل كأستاذ متفرغ فيها لقبيل وفاته.

كتب صلاح فضل سيرته الفكرية من خلال كتابه “عين النقد: سيرة فكرية” الصادر عام 2021، حيث يأخذنا إلى طفولته ويتمه في عمر أربع سنوات، بعد أن أفقده الموت أباه شاباً. وقام جده بتحويله، من الدراسة المدنية إلى الأزهرية، كوسيلة لأستعادة الأب الأزهري الغائب. وهذا ما أحبط الحفيد، الذي وجد الدراسة الأزهرية، تعتمد على التكرار والأستذكار العنيد. لكن فضل لم يغفل فضائلها، في تشكيل قدراته اللغوية، وتنمية كفاءة الفهم لديه والتعبير. ولم يغفل كذلك مثالبها؛ كونها تصوغ عقول دارسيها ووجدانهم، على مقاس عصور قديمة، دون أختلاف. وهذا هو الخطر الذي نجا منه، عندما تحول إلى المعهد الثانوي بالقاهرة، صحبة عمه طالب الحقوق، لتكون كتب القانون بوابته ونقطة عبوره نحو العالم الفسيح.

من المعهد الثانوي، ينتقل الكاتب إلى كلية دار العلوم، فيتحرر نهائياً من الجبة (العمامة) والقفطان. وتلتقط عينه الناقدة صراع القديم والحديث، التقليدي والطليعي. وينحاز إلى كوكبة الأساتذة، الذين يدرّسون النقد والأدب والفلسفة، وفق ما أكتسبوه من معارف من أعرق الجامعات الغربية.

تتسع الرؤية النقدية لديه، فتمتد إلى كافة نواحي الحياة، لتدرك كل متناقضاتها. تمر على الأيديولوجيات جميعها “اليمين واليسار”، لتنتهي بأعتناق العلم، العدل والجمال.

يعرج الكاتب إلى محطته التالية، وأنتقاله إلى إسبانيا، بعد أن أجهضت وزارة علي صبري عام 1965 حلمه، بإلغاء كافة البعثات، ومنها بعثة إلى فرنسا، كان هو أحد مرشحيها، وذلك لندرة العملة الصعبة حينذاك. ورغم ضيقه بالمكان واللغة وشعوره بالبقاء على هامش الحركة الفكرية، ما لم يستكمل تكوينه المعرفي في السوربون، فإنه سرعان ما تجاوز هذا الضيق، وتغلب على صعوبات اللغة، بل وظفر بموقع أكاديمي في الكلية الإسبانية، التي يدرس فيها. ثم دفعه الزخم والنشاط في حركة الترجمة إلى الإسبانية، من كل اللغات الحية؛ إلى الرضا عن اللغة، التي اعتبرها في البداية حاجزاً بينه وبين الفكر العالمي، ثم ما لبث أن أدرك أنها الطريق الأقرب إليه.

تتيح السيرة الفكرية لصلاح فضل، أكتشاف أدوار أبعد للنقد، من أستكناه أسرار النصوص، وإبراز جمالياتها. إذ يلعب دوراً اجتماعياً وقيمياً وإنسانياً، وهو ما قام به فضل، حين كتب عن إنتاج الدلالة في شعر أمل دنقل. فخلافاً على أن مقاله كان نموذجاً تطبيقياً لنظريته في البنائية، فإنه كسر من خلاله دائرة التحريم حول أسم دنقل، والتي أُلصقت به نتيجة معارضته نظام السادات. ولا يكشف الكاتب عبر سرده عن الأدوار القيمية للنقد وحسب، وإنما يوثق تاريخ الواقع الثقافي المأزوم، خلال حقبة الرئيس السادات. ويكشف عن أستخدام السلطة للوازع الديني؛ أستخداماً سياسياً، بهدف إقصاء أي معارضة.

ومن كتبه التأسيسية “النظرية البنائية في النقد الأدبي”، الذي يحلو لفضل تسميته بالأبن البكر. ذلك الذي أنجبه البحث الشاق، والطموح المنهجي. ليشرح عبره نظرية البنيوية بكل أبعادها التاريخية والمنهجية، ومبادئها النظرية، وتطبيقاتها على الأجناس الأدبية.

أما كتاب “المنهجية الواقعية في الإبداع الأدبي” فقد سبق فيه بالبحث في الأسس الجمالية للواقعية، التي بشَّر بها لوكاش، وسوسيولوجيا الأدب، والواقعية السحرية في أدب أميركا اللاتينية. إذ كان فضل من اوائل الذين كتبوا عن غارثيا ماركيز ورائعته “مئة عام من العزلة”، قبل أن يحصل على جائزة نوبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى