الجديدمقالات

سهيلة أسعد نيازي… الأبداع في الترجمة

عامر هشام الصفار

تتفاعل الأمم والشعوب فيما بينها من خلال الأطلاع على نتاجات الفكر والثقافة والعلوم مترجمة من لغات مختلفة، حتى يتمكن القاريء من التعرّف على هذه النتاجات بلغته الأم، بعد ان راح قلم المترجم الحاذق وأعتمادا على مهارته وخبرته، نقل النص الأصلي الى اللغة التي يريد بأسلوب شيق مفهموم.. وعلى ذلك أعتبرت الترجمة عنصرا من العناصر المهمة في تجديد الفكر العربي مثلا وأغنائه..فهي تسهم في صناعة وأنتاج المعرفة بكل أشكالها..

وأذكر أنه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، سنحت الفرصة وأنا المتابع لأصدارات الموسوعة الصغيرة (وهي الموسوعة الصغيرة حجما والكبيرة مادة وعلما) والصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة العراقية حينها..فأذا بي أحظى بكتاب “صورة الطفل في الأدب الأنكليزي” لمترجمته العراقية المبدعة سهيلة أسعد نيازي..فتعرفت على الشاعر الأنكليزي وليم بليك (1757-1827)..كما قرأت عن وليم وردزورث (1770- 1850) وصاموئيل كولردج (1772-1834) وجارلس ديكنز ووليم كولدنك ونتاجاتهم التي عبّرت عن نظرة المجتمع البريطاني في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين للطفولة.. ولكني في الحقيقة كنت قد أكتشفت قلما في الترجمة شيقا، سلسا، وقادرا على توصيل فكرة موضوعه للقاريء العربي بوضوح وسلاسة..ذلك هو قلم سهيلة أسعد نيازي، حيث ترجمت للعربية ونقدت وحللّت العديد من النصوص الأدبية الأنكليزية بخصوص الطفل عبر أصدارها المرقم 350 في سلسلة كتب “الموسوعة الصغيرة” في عام 1989..وأقرأ في مقدمة الكتاب للمترجمة الأكاديمية نيازي قولها: “أن الطفل لم يكن من الموضوعات المهمة في الأدب الأنكليزي.. ولم يشغل حيزا في النتاجات الأدبية بشكل ملحوظ قبل منتصف القرن الثامن عشر..ولكن الطفل برز في الأدب بعد هذه الفترة نتيجة الأهتمام به في الحياة العامة، بعد أن أصبح الفرد العادي موضع أهتمام الدارسين والمفكرين، في مجتمع أختلفت فيه القيم بسبب التطور الذي جاء نتيجة حتمية بعد الثورة الصناعية.. هذا التطور الذي غيّر ملامح المجتمع الأنكليزي بشكل غير متوقع”..

وتترجم سهيلة نيازي قصيدة الشاعر بليك “أغاني البراءة”.. حيث يقول الطفل توم:

عندما ماتت أمي كنت صغيرا جدا

فباعني أبي..ولساني

غير قادر على نطق كلمة

أكنث..أكنث..أكنث.. فأنا أنظّف مداخنكم.. وأنام على ترابها الأسود..!

وتضع المترجمة في الهامش ملاحظة تقول : أن كلمة أكنث …هي في الأصل أكنس…وهي خير ترجمة للكلمة الأنكليزية sweep..والتي هي في الأصل weep..ومعناها أكنس أو يكنس وهي ليست بكاء أو يبكي.. كما جاء في بعض الترجمات..ولأن نطق الطفل لم يكتمل بعد فقد جاء لفظها بهذا الشكل..

وأنظر عزيزي القاريء الى ما كتبته المترجمة الكاتبة سهيلة أسعد نيازي هنا…فهي التي حللّت وفسرّت وعاشت حالة تاريخية في عمر بلد وأنسان.. فهل يستطيع الحاسوب الحديث من الوصول الى هذه الدرجة من الأحساس المرهف والدقة في المعايشة الحقيقية للكلمة ومعانيها، وللجملة الشعرية ومقاصدها مثلا؟.. نسأل هذا السؤال ومؤتمرات الترجمة هذه الأيام تعقد جلساتها، حيث يؤكد من خلالها أساتذة لغة ومترجمون على أن التطور في التكنولوجيا والذكاء الأصطناعي والعلوم الحاسوبية، لا يمكن أن يغني عن المترجم البشري رغم أعتماد أكثر من 80% من المترجمين حول العالم على هذا النوع من التقنية.!.

ولم تكن الراحلة السيدة سهيلة نيازي مقتصرة في ترجماتها على كتب الشعر ونقده بل أنها ترجمت كتابا مهما في النقد السردي عنونته ب “فن الأقناع..دراسة لست روايات” لمؤلفه الكاتب لارس هارتفايت.. وقد راجع الكتاب الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة العراقية عام 1989 الراحل الكاتب المعروف جبرا أبراهيم جبرا.. وفي كلمتها التي تقدّم فيها للكتاب تقول نيازي:

“أن كتاب فن الأقناع دراسة أدبية نقدية مسهبة يقدمها المؤلف لتلامذة الأدب الأنكليزي ودارسيه بشتى مستوياتهم.. كما أنه يفيد قرّاء الرواية وكتّابها وكل المهتمين بهذا الفن الأدبي”.. ثم تضيف “أن الأقناع كما يرى المؤلف لا يتم الاّ بعد توثيق الصلة بين الكاتب والقاريء، وبالقدر الذي يعطي فيه الكاتب قارئه ما يحقق توقعاته ويرضي فضوله..”. وقد جاء كتاب “فن الأقناع” على 182 صفحة من الحجم الكبير..

ثم أن الراحلة المترجمة سهيلة نيازي الأكاديمية المبدعة كانت قد أصدرت كتابها المهم الآخر المترجم والذي جاء بعنوان “المرأة والتأليف: دراسات في الأدب الأنكليزي”..وكتاب “محنة الشاعر في أزمنة المدن” أضافة الى العديد من البحوث والدراسات المنشورة في الدوريات الأدبية.. وفي كتابها المترجم “محنة الشاعر..” تشير السيدة نيازي الى موضوعة التطور المعاصر في علاقة الشاعر كشخصية مبدعة مع مدينته التي يعيش: “في عصور سالفة حيث كانت الطبيعة بطيئة الحركة، والإيقاع متمهّلاً، تميّز الفنان، وأقرّ المجتمع له بمكانة لا يشوبها بحث عن غرض أو نفع. وفي زمننا المعاصر، حيث المدن الكبرى محور الأجتماع الإنساني، والنفع عمود القيم الفقري، تكاثرت ضغوط المجتمع والسياسة وتأمين متطلبات العيش، وبات الشاعر عاجزاً عن تأمين ما يسدّ رمقه عن طريق الشعر. فكيف يمكن لهذا الأخير أن ينتمي إلى نظام القيم المعاصر؟ وكيف يمكن للجمالية أن تستقل بذاتها عن تحدّيات ملحّة ويومية؟..هنا وعبر صفحات هذا الكتاب، يعلن الشاعر الراحل ويستان أودن أن ميدان الشاعر هو “اللعب” الذي تضيق به مدينة تزداد عبوساً وسعياً وراء حاجات الغد. أما الفن المناضل، أما السياسة، فليسا وظيفة هذا المبدع اللاعب”.

لقد سعت الأكاديمية الكاتبة المترجمة سهيلة أسعد نيازي لأغناء المكتبة العربية بكل جديد من طروحات الأدب الأنكليزي ومن مصادره المهمة..فكانت أمينة على طروحات المؤلفين بما يعكس وجهات نظرهم..ولكنها في نفس الوقت أستطاعت أن تنقل للقرّاء طبيعة القضايا الأبداعية في الأدب العالمي والتي لها أنعكاساتها على أدبنا العربي.  كما حرصت الكاتبة والمترجمة نيازي على التفاعل مع الآخر..فالترجمة عندها “لابد من أن تسهم في أثراء لغتنا العربية وتشكيل الفكر العربي الحديث”..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى