الجديدمقالات

وسائل التواصل الأجتماعي وتقنية الذكاء الأصطناعي

أنتوني زورتشر/ مراسل هيئة الأذاعة البريطانية

يتمتع الذكاء الاصطناعي بقدرة هائلة لتغيير الطريقة التي نعيش بها حياتنا بشكل جيد وخطير، لكن ليس لدى الخبراء ثقة كبيرة في مدى استعداد أصحاب النفوذ والسلطة لما هو مقبل قريباً.

في عام 2019 ، قامت مجموعة بحثية غير ربحية تسمى OpenAI (شركة أوبن للذكاء الاصطناعي)، بإعداد برنامج جي بي تي – 2 الذي يمكنه إنشاء فقرات من نص متماسك وإجراء فهم وتحليل أولي للقراءة دون تعليمات محددة.

قررت شركة OpenAI في البداية عدم جعل ما أنتجته (جي بي تي -2) متاحاً بالكامل للجمهور خشية استخدامه من قبل أشخاص لديهم نوايا شريرة، فينشأون كماً هائلاً من المعلومات المضللة والدعاية.

ووصفت المجموعة هذا البرنامج في بيان صحفي أعلنت فيه عن قرارها، بأنه “خطير للغاية”.

حدث تقدم سريع خلال ثلاث سنوات، وزادت قدرات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، على عكس التوزيع المحدود الأخير، أصبح العرض التالي (جي بي تي – 3) ، متاحاً بسهولة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

كانت واجهة Chatbot-GPT المستمدة من تلك البرمجة هي الخدمة التي أطلقت آلاف المقالات الإخبارية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اختبر الصحفيون والخبراء قدراتها والتي كانت نتائجها غالباً مذهلة.

وقف Chatbot-GPT أمام الجمهور على خشبة المسرح وخاطبهم مباشرة، بنفس اسلوب الممثل الكوميدي الراحل جورج كارلين حول فشل بنك وادي السيليكون.

كما نظر في اللاهوت المسيحي وكتب الشعر وفسر النظرية الكوانيتة للطفل كما لو كان مغني الراب سنوب دوغ.

ونجحت برامج أخرى للذكاء الاصطناعي ، مثل Dall-E ، في إنتاج لوحات مقنعة لدرجة أنها أثارت الجدل حول عرضها للبيع على مواقع الويب الفنية.

لقد بلغت هذه الآلات مرحلة الإبداع ولو ظاهرياً.

أطلقت شركة “أوبن أل” يوم الثلاثاء، أحدث نسخة من برنامجها جيبي تي – 4، والتي تقول إنه يخضع لقيود صارمة لمنع استخدامه لغايات غير مناسبة.

من بين العملاء الأوائل مايكروسوفت وميريل ينتش وحكومة أيسلندا.

واجتمع في مؤتمر South by Southwest Interactive الذي عُقد في أوستن، في ولاية تكساس الأمريكية هذا الأسبوع، علماء وصانعو السياسات التقنية والمستثمرون والمدراء التنفيذيون.

كان أهم موضوع طرح للنقاش هو إمكانات وقدرات برامج الذكاء الاصطناعي.

تقول أراتي برابهاكار ، مديرة مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، إنها متحمسة لإمكانيات الذكاء الاصطناعي، لكنها قلقة بنفس الوقت، حيث قالت أمام لجنة المؤتمر : “ما نراه جميعاً هو ظهور هذه التكنولوجيا القوية للغاية، إنه منعطف مهم جداً، لكن التاريخ علمنا أن مثل هذه التقنيات الجديدة القوية قد تكون سلاحاً ذو حدين، فتستخدم للشر كما للخير تماماً”.

أما المشارك في النقاش على المنصة أوستن كارسون، فكان رأيه أكثر صراحةً بعض الشيء.

وقال مؤسس SeedAI ، وهي مجموعة استشارية لسياسات الذكاء الاصطناعي للحضور: “إذا لم ينتابكم شعور بالفزع في غضون ستة أشهر، فعشاؤكم سيكون على حسابي”.

الشعور بـ”الفزع” قد يعبر عن مخاطر هذه التقنية.

حاولت إيمي ويب، رئيسة معهد “فيوتشر توداي” وأستاذة الأعمال في جامعة نيويورك، تحديد النتائج المحتملة في عرضها التقديمي، وقالت إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسير في اتجاه واحد من اثنين خلال السنوات العشر القادمة.

في سيناريو متفائل، يركز تطور الذكاء الاصطناعي على الصالح العام، مع الشفافية في تصميم نظام الذكاء الاصطناعي وقدرة الأفراد على الاشتراك فيه إذا كانوا يرغبون في أن تكون المعلومات المتاحة للجمهور عنهم على الإنترنت مدرجة في قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي.

تعمل التكنولوجيا كأداة تجعل الحياة أسهل وأكثر سلاسة، حيث يمكن لميزات الذكاء الاصطناعي في المنتجات الاستهلاكية توقع احتياجات المستخدم والمساعدة في إنجاز أي مهمة تقريباً.

ينطوي السيناريو الكارثي حسب رأي ويب على وجود خصوصية أقل للبيانات والمزيد من مركزية النفوذ في يد حفنة من الشركات والذكاء الاصطناعي الذي يتوقع احتياجات المستخدم ويفهمها بشكل خاطئ، أو على الأقل يقيد الخيارات.

تعطي ويب السيناريو المتفائل نسبة 20 في المئة فقط من الفرص. حيث قالت لبي بي سي، إن الاتجاه الذي تسير فيه التكنولوجيا يتوقف في النهاية إلى حد كبير على مسؤولية الشركات التي تطورها.

“هل يفعلون ذلك بشفافية ويكشفون ويراقبون المصادر التي تستخلص منها روبوتات المحادثة، التي يسميها العلماء نماذج اللغات الكبيرة، معلوماتها؟”.

وقالت إن العامل الآخر هو ما إذا كان بإمكان الحكومة والهيئات الفيدرالية والكونغرس التحرك بسرعة لوضع حواجز حماية قانونية لتوجيه التطورات التكنولوجية ومنع إساءة استخدامها.

لكن تجربة الحكومة مع شركات مواقع التواصل الاجتماعي أمثال فيسبوك وتويتر وغوغل وغيرها أمثلة غير مشجعة.

قالت ميلاني سوبين، المديرة الإدارية لمعهد فيوتشر توداي، عن تجربتها في ساوث باي ساوث ويست: “ما سمعته في الكثير من المحادثات هو القلق من عدم وجود أي ضوابط حماية”. “هناك شعور بضرورة القيام بشيء ما. وأعتقد تجربة الناس مع وسائل التواصل الاجتماعي مثال على المخاوف التي تدور في أذهان الناس عندما يرون مدى سرعة تطور الذكاء الاصطناعي”.

تعتمد الرقابة الفيدرالية إلى حد كبير على شركات وسائل التواصل الاجتماعي وقانون آداب الاتصالات الذي أقره الكونغرس في عام 1996 ، ومادة قصيرة لكن قوية وردت في الفصل رقم 230 من القانون.

هذه القوانين وفرت لشركات الإنترنت الحماية ضد مسؤولية المحتوى الذي ينشأه المستخدمون على مواقعهم الإلكترونية.

يُنسب إليها الفضل في خلق بيئة قانونية يمكن أن تزدهر بها شركات التواصل الاجتماعي.

ولكن في الآونة الأخيرة، ألقي باللائمة عليها أيضاً لأنها سمحت لشركات الإنترنت هذه بالاستحواذ على الكثير من القوة والنفوذ.

يشكو السياسيون اليمينيون من أن ذلك سمح لمستخدمي غوغل وفيسبوك في العالم من توجيه اللائمة إلى الآراء المحافظة أو التقليل من ظهورها. وبالمقابل يتهم اليساريون الشركات بعدم القيام بما يكفي لمنع انتشار خطاب الكراهية والتهديدات العنيفة.

وقالت جوسلين بنسون: “أمامنا فرصة ومسؤولية للاعتراف بأن خطاب الكراهية يؤدي إلى أعمال بغيضة”.

في ديسمبر / كانون الأول 2020 ، كان منزلها موضع احتجاج من قبل أنصار دونالد ترامب المسلحين الذين تم تنظيمهم عبر فيسبوك والذين طعنوا في نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020.

لقد أيدت بنسوتن وضع “تشريع الممارسات الخادعة” في ميشيغان التي من شأنها تحميل شركات وسائل التواصل الاجتماعي المسؤولية عن نشر المعلومات الضارة عن عمد. كانت هناك مقترحات مماثلة على المستوى الفيدرالي وفي الولايات الأخرى ، جنباً إلى جنب مع التشريعات التي تطالب مواقع التواصل الاجتماعي بتوفير المزيد من الحماية للمستخدمين القصر، وأن تكون أكثر انفتاحاً بشأن سياسات الإشراف على المحتوى الخاص بهم واتخاذ خطوات أكثر فعالية ونشاطاً للحد من المضايقات التي تحدث عبر الإنترنت.

لكن الآراء متباينة حول فرص نجاح هذه المساعي.

تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى فرقاً كاملة من جماعات الضغط في واشنطن العاصمة وعواصم الولايات بالإضافة إلى ثروات كبيرة للتأثير على السياسيين من خلال التبرع لحملاتهم الانتخابية.

تقول كارا سويشر، الصحفية المختصة بالعلوم التقنية: “على الرغم من الأدلة الكثيرة على وجود مشاكل في فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى، فقد مرت 25 عاماً دون اتخاذ أي إجراء”.

“كنا ننتظر سنّ تشريع ما من الكونغرس لحماية المستخدمين، لكنه أخل بمسؤولياته”.

وتضيف سويشر، إن الخطر يكمن في أن العديد من الشركات التي لعبت دوراً رئيسياً في وسائل التواصل الاجتماعي – فيسبوك وغوغل وأمازون وآبل ومايكروسوفت، أصبحت الآن رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وإذا كان الكونغرس غير قادر على تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي بنجاح، فسيصعب عليه التحرك بسرعة لمعالجة المخاوف بشأن ما تسميه سويشر بـ “سباق التسلح” في مجال الذكاء الاصطناعي.

المقارنات بين تشريع الذكاء الاصطناعي وتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي ليست أكاديمية فقط. يمكن لتقنية الذكاء الاصطناعي الجديدة أن تأخذ المواقع الإشكالية فعلاً مثل فيسبوك ويوتيوب وتويتر وتحولها إلى بحر من المعلومات المضللة، حيث يصبح من الصعب بشكل متزايد فصل منشورات البشر الحقيقيين عن الحسابات المزيفة ولكن المنطقية تماماً التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

حتى إذا نجحت الحكومة في سن لوائح جديدة لتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي ، فقد تكون بلا جدوى في مواجهة طوفان من المحتوى الخبيث الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي.

من بين عدد لا يحصى من الندوات التي عقدت في مؤتمر South by Southwest ، عقدت واحدة تحت عنوان “كيف يبني الكونغرس سياسة الذكاء الاصطناعي من الأساس”.

بعد حوالي 15 دقيقة من الانتظار، قيل للجمهور أن الندوة قد ألغيت لأن المتحدثين فيها ذهبوا إلى المكان الخطأ.

بالنسبة لأولئك الحاضرين في المؤتمر الذين كانوا يأملون في ظهور ما يوحي بكفاءة مسؤولي الحكومة، لم يكن ذلك حدثاً مشجعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى