الجديدمقالات

مفهوم المواطنة الصالحة في القصة العراقية القصيرة: مجموعة “بيت الضفادع” أنموذجا

صلاح حسن

تتعرض الشعوب والأمم في مسيرة تاريخها لتحديات تهدد وجودها وكيانها. وتبقى للكيفية التي تواجه بها هذه الشعوب مثل هذه التحديات، وقدرة هذه المواجهة على تحقيق الهدف، الأهمية العظيمة في أستمرار أمة من الأمم في الحياة، متمتعة بالعيش الحر الكريم.

 وهنا يتحدد مفهوم المواطنة الصالحة ضمن الإطار الإنساني المشروع، وضمن إطار الواجب الذي يقع على عاتق أفراد شعب معين بالمساهمة الفاعلة في عملية المواجهة، ثم البناء والتطوير، تواصلا مع الدور الإنساني في الإبداع. وعليه فللأدب بأجناسه الإبداعية المختلفة دوره المهم في التوعية والتحفيز المجتمعي لحماية الأوطان، والحفاظ على مسيرة البناء والفعل الخلاق.

 وللقصة القصيرة دورها المهم الذي ينبع من قوة السرد، ورغبة الإنسان في الأستماع وفي قراءة القصص، وأستكناه معانيها، والتمتع بلغتها الفنية التي تغني وتهذب النفس. ثم أن القصص القصيرة بصورة عامة ستكون المعبّر خير تعبير عن مرحلتها التاريخية، حيث أن أية قراءة لمجموعة قصصية معينة منشورة في مرحلة من الزمن أنما تعطي القاريء الأنطباع عن طبيعة تلكم المرحلة، ومعاناة شخصياتها وهمومها وتطلعاتها (لا أدب دون معاناة)..

ولا تشذ القصة العراقية القصيرة هنا عن بقية القصص في العالم.. حيث ساهم القص عبر تاريخ القصة في العراق والذي يمتد على مدى قرن من الزمان أو يزيد في التعبير عن الهم الإنساني، وفي محاولة كشف وتعرية الظلامي المتخلف في النفس الإنسانية، بما يتيح للقارئ الفرصة للتفكير من أجل التغيير، ليس في لحظة الواقع الذي يعيش فقط، بل في بناء شروط مستقبل أفضل.

 وقد صدرت مؤخرا في (كانون الثاني 2023) للقاص العراقي عامر هشام الصفار مجموعته القصصية الخامسة والمعنونة ب”بيت الضفادع” وذلك عن دار أقلام للنشر في لندن. وقد أحتوت المجموعة على ما يزيد على ثمانين قصة قصيرة وقصة قصيرة جدا، تناولت قضايا وهموم إنسانية مختلفة، منها ما يمكن أن يقع ضمن إطار مفهوم “المواطنة الصالحة” بما يفعّل وعي القارئ للقصص بما حصل ويحصل في العراق -الوطن الذي تعرض لحروب وحصارات وغزو وأحتلال.

 والمواطنة الصالحة كمفهوم تعني فيما تعنيه الألتزام بالمبادئ الأخلاقية والأجتماعية والسياسية، وتحقيق العدالة والمساواة والحرية. وهنا يتحدد المفهوم ضمن أطار الواجب في عملية المواجهة ثم البناء والتطوير تواصلا مع الدور الأنساني في الأبداع.

 ففي موضوعة الخطف والإخفاء القسري والقتل الذي تعرض له المواطن العراقي، تدور قصة الطفل أحمد والتي تسرد على مدى يقل عن مائة كلمة لحظات مراقبة الطفل في ليلة العيد لعودة والده الذي وعده بشراء هدية له (عيدية). ولكنها لحظة ستطول وتطول، حيث راح الطفل أحمد يشغل نفسه بمراقبة حمامته وهي تبني عشها على شجرة قريبة على بيته.  وبين أعشاش الحمائم وقلوب الأطفال صلة.. بل بين هذه الأعشاش والأوطان صلات يحسها القارئ، ويقرأ فيها المعاني. كما أنك قارئ في المتوالية القصصية المعنونة “أنفلات أمني” عن موجة التفجيرات التي أودت بحياة آلاف الشهداء من العراقيين في مختلف المدن العراقية بعد عام 2003 فاذا بالمشاهد السيريالية المؤلمة تتكرر من لغة قص قاسية، يشعر القارئ من خلالها بديناميكية هذه اللغة، وحركية أفعالها ومدلولات الصفات فيها. فهذا الذي يمشي في سوق المدينة راح بعد الأنفلات الأمني يبحث عن رأسه..!، وراحت مجموعة ناس تحمل جنازة على أكتاف مخلوعة،  في حين وجد الرجل العجوز الذي يبيع الجرائد في المدينة نفسه بعد أن صار الأنفلات الأمني حقيقة واقعة، وقد غطت الجريدة القديمة بعنوانها بالحبر الأحمر نصف بدنه، في حين راح نصفه الآخر يصيح أنقذوني.  وهي الصرخة التي تطالب بالأنقاذ ليس على صعيد الشخص (بائع الجرائد) الذي هدّه مرض لم يعرف الأطباء كنهه حسب القصة، ولكنها صرخة شعب بأكمله يطالب بالإنقاذ من وحوش تكالبت عليه  فنهشت في جسد الوطن.. تاريخا وأرضا وشعبا.

ثم ان القاريء لمجموعة قصص الصفّار سيقرأ فيها عن متوالية سردية أخرى تدور حول الشابة ثائرة والشاب ثائر، في عودة لتظاهرات الشباب العراقي في تشرين الثاني من عام 2019 وكيف ان بغداد لا تشبه بقية المدن.. فهي قد تبدو هادئة لمن لا يعرفها جيدا، ولكنها مثل تنور والدته الراحلة قد يفور ويغلي على حين غرة..!.. وفي قصة اللوحة والرصاص (ص76) راح القاص الغائب يروي عن ثائر الرسام الذي يحضّر ألوانه بعناية فائقة.. فأكتملت لوحته برسم وجه صديقه وقد أخترقت قنبلة لئيمة عينه.. ولكنه أكتمال فعل أبداعي قاس تحت لعلعة الرصاص الحي في مكان يلّفه دخان كثيف… وهي هذه اللغة المقتصدة في مفرداتها، والحاملة لمدلولاتها العنيفة بعنف الواقع وقسوته، وظلم الأنسان لأخيه الأنسان ما يميز مجموعة القص “بيت الضفادع”، والتي نجحت في التعبير عن الحس الشعبي العراقي العام تجاه واقع مرفوض جملة وتفصيلا…

 إن قصصية القصة كما يصطلح عليها لن تكون إلا في التعبير السردي الفني عن جوهر واقع معاش، وليس نقلا حرفيا لوقائع حياتية معاشة فحسب..وهذا بدوره ما يمكن أن يحقق أدبية العمل الأدبي كما اصطلح عليه رومان جاكبسون (عالم اللسانيات والناقد الروسي 1896-1982) .. وكما قصد أليه الجاحظ (775-868م) من أن الموضوعات مرمية على الطريق ومتاحة للجميع، ولكن المهم هو الشكل الذي تقدم به أو كيف نقدمها.

أن القصة القصيرة العراقية المعاصرة تبقى بحاجة لمزيد من الدراسات والبحوث بما يغني فن السرد العربي ويجلي حقائق الأدب ويشجع القاريء على التفاعل وتحقيق فعل الأدراك والتواصل.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى