الجديدمقالات

قراءة في “عاشق النخيل”.. المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر منذر الدوري

عامر هشام الصفّار

صدرت قبل أيام للشاعر الطبيب الجراح الدكتور منذر الدوري مجموعة شعرية جديدة، عنوانها “عاشق النخيل”، وهي المجموعة الثانية بعد مجموعته الصادرة عام 2016 بعنوان “منذريات موهن الليل “.

وقد ضمت المجموعة الجديدة 24 قصيدة نثرية، رغم أستخدام الشاعر للوزن والقافية في بعض القصائد، إضافة إلى تضمين المجموعة الشعرية ثلاثة أناشيد، واحد منها جاء بعنوان “نشيد الأباة” في حين حمل النشيد الثاني عنوان “المجد” ، في حين أهدى الشاعر الدوري قصيدته المعنونة ب “كنانة الله” إلى القاهرة، مدينة المعز، وعاصمة مصر العربية.

ولا بد لك وأنت تقرأ قصيدة الدوري من أن تستذكر ما كتبه الراحل رئيس المجمع العلمي العراقي الدكتور أحمد مطلوب في مقدمته للمجموعة الشعرية الأولى للدوري حيث قال: ويقف اليوم على ضفاف الشعر الطبيب منذر الدوري. بمجموعته الشعرية، وقد عبر عن مشاعره في قصائده المتلونة،  وأهم ما يتجلى فيها روحه العربية التي نشأ عليها. .ويضيف الدكتور مطلوب: كان الشاعر منذر ذا حس مرهف في بناء قصائد مجموعته، حيث وظّف الأساليب المختلفة، وكان التشبيه كثير الدوران في قصائده.

أما بخصوص عاشق النخيل، فقد قدّم الشاعر لمجموعته بقوله إن العراق هو أقدم موطن لزراعة النخيل في العالم،  إذ أن أول ظهور موثق لشجرة نخيل التمر في العالم القديم كان في مدينة أريدو الواقعة على مبعدة 12 ميلا جنوب مدينة أور التاريخية في جنوب العراق، حيث كان ذلك قبل حوالي 7000 سنة.

ثم أن الدوري يوثق جهده في عام 1977، عندما كتب مقالة في واحدة من أكثر المجلات أنتشارا في العراق حينذاك، وهي مجلة ألف باء، حيث جاءت مقالته تحت عنوان “عاصمة بلاد النخيل تكاد تخلو من النخيل”، دعا فيها الحكومة لإصدار قانون لزرع النخيل في بيوت العراقيين، لتظل بغداد ومدن العراق الأخرى واحة كبيرة لأشرف الشجر، النخلة الباسقة.

ولابد لي في هذه القراءة من أن أحدد محاور عاشق النخيل لنقترب أكثر من النفس الإبداعي للدوري منذر في مجموعته الشعرية الجديدة .

الوطن أولا وأخيرا

 وإن قرأت المجموعة فسيطالعك الإستهلال:

 أنا والنخل ولدنا لعراقي توأمين….فسل النخلة عني، أنا شبل الرافدين.

 وهكذا يستمر حضور الوطن- العراق، ومنذ الصفحات الأولى للمجموعة الشعرية، حيث نقرأ في قصيدة العراق العظيم:

 كم عظيم أنت عراق الرافدين، نحن نخل عطاياك، ولدنا توأمين

وتتكرر فكرة التوأمة بين الشاعر ونخلة الرافدين التي يحاورها في نفس القصيدة، ليسأل من عاش في نخلك في ماضي السنين؟، فكأنك بالشاعر الذي يصف شعبه بشعب النخيل، يريد أن يتماهى مع أشرف الشجر بدلالة درامية، ليطرح بحكمة قضاياه الوطنية ومشاعره القومية.

وفي “أمتي تغفو سباتا بربيع الأقحوان” ، تقرأ تناصا مع ما أصطلح عليه بالربيع العربي بعد أضطرابات الشارع العربي ضد الأنظمة في عام 2011.

وتأخذ الأحاسيس أشكالا دلالية مباشرة، فها هو الدوري الشاعر في قصيدة حنين إلى العراق، يقول: مالي سواك أبي العراق بديل

 أنت الهوى والسؤدد المأمول

حتى إنه إذا سافر للصين في دعوة رسمية من كلية الجراحين فيها، أستذكر بغداده والرافدين فيكتب في قصيدة  إلى بكين:

شممت عبير وجنتهن صاحت

بي الأشواق يا بغداد هيا

فهل قدر رماني فيك عشقا؟

أم العشق القديم أتى إليّا؟

 العروبة والعرب

ثم أن الدوري وهو يعشق نخيل عراقه لا يريد أن يبقى العراق، بعيدا عن أشقائه العرب، وعن القضايا العربية المصيرية، حيث نقرأ في قصيدته بغداد عودي:

 إيه يا بغداد، عودي

 أسرجي الخيل، وذودي

 عن جنين

 وعن الجولان…ذودي

أنت لي شمس وجودي

 وهي لغة الأختزال والتكثيف في المعنى التي يلجأ إليها الشاعر عبر قصائد مجموعته الشعرية، حيث يشارك القارئ على عجل أفكاره التي تشغله. ولعله بذلك يحقق الهدف في جعل القارئ متوثبا لإدراك المعاني من خلال الإيجاز في الصورة.  فالشعر كما يقول الراحل نزار قباني هو “فن التوعية لا فن التعمية، ولا سيما في بلادنا التي تحتاج الى ضوء نجمة تضيء ليلها الطويل، والى كلمة جميلة تنقلها من مرحلة أهل الكهف الى مرحلة الفضاء”..

الشاعر الحكيم

ثم أنه الشاعر هنا، الحكيم الدوري الذي يداوي الناس بعلمه ومهارته وخبرته، فكان لابد للمجموعة الشعرية من أن تتضمن أبياتا في الحكمة هي وصايا “إبراهيم يا بني”..

 يقول الدوري:

 كن حليما، وصريح الأصغرين،

 قاتل الظلم ولو صفر اليدين

 وأحفظ الوعد، فإن الوعد ديْن

 وها هو يوجه أبيات قصيدته لطلبة العلم قائلا:

 إلتزم بالعلم، فالعلم المعين

 كن نزيها وأمسك الحبل المتين

 ولتكن في طيب ذكر الذاكرين

 الوطن- القضية… والجرح النازف

 ويستمر إيقاع قصيدة الشعر عند منذر الدوري سريعا خاطفا، ليحدث التأثير المباشر في القاريء حيث يتسائل في “وطني أنت همي”:

 فمتى يلتئم الجرح القديم

 لترى بستان ورد ونخيل

وحقولا وسنابل..؟

 فهو يريد أن يسمع أخبارا تثلج صدره عن وطنه العراق، ولكن مثل هذه الأخبار شحيحة بل غير موجودة إلا ما ندر، فمتى يلتئم جرح الشاعر بل جرح القارئ؟:

 فكيف يرضيك أيا أرض النخيل

 إنت يا مهد الحضارة

 أن يكون العيش مرّا ثم يزداد مرارة؟

وكان لا بد أن تحضر قضية العرب المركزية-فلسطين في المجموعة الشعرية “عاشق النخيل”، فكانت قصيدة غزة، ونخيل التأبين..يقول:

 زادتني عشقا وحنينا

 إلى حيفا ويافا وجنين

 جدائل أريحا تعرفني..فأنا العاشق

بهذه اللغة الشفيفة الواضحة، اليسيرة، المفعمة بأسماء وصفات وأستعارات وأنزياحات، يبني الدوري قصيدته في مجموعته الشعرية الجديدة التي ضمّنها قصائد في الغزل والرثاء، وكأنه يريد أن يذكّر القارئ بأن وظيفة الشعر عميقة، تتغلغل في مفاصل الحياة الإنسانية، لتعبّر عن مكنونات العاطفة والمعرفة البشرية، تاركة المساحة أمام القارئ للتأويل والبحث عن المعاني والدلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى