الجديدطب وعلوممقالات

الرشدية اللاتينية والحضارة الغربية

د أبراهيم نويري

هنالك حقيقـة تستنبط مـن حركة التاريخ الإنساني لا يمكن نكرانها أو التجهم لها، تتمثل في أتكاء الحضارات على بعضهـا وأخذهـا عـن بعضها البعض، والأستثناء الوحيد في هذه المعادلة حضارة الإنسان البدائي، إذا أعتبرنا أن الحضـارة هـي التفاعل بين الإنسان ومحيط بيئتـه وفق الأدوات والوسائل التي أنتجها في سبيل التغلب على الطبيعة ومعوقات الحياة؛ فحضارة الإنسـان البدائي هي الوحيدة التي بدأت من الصفر أو أنقدحت من الفراغ.

وكل من يتمكن من قراءة تاريخ الحضارات، كما فعل الأمريكي ول ديورانت في كتابه الموسوعي الضخـم «قصـة الحضـارة» أو البريطاني أرنولد توينبي في كتابه « الحضارة في التاريخ»، يسلم بهذه الحقيقة التي لا مفر من إقرارها.

وإذا كنـا نـعـتـرف بهـذا المبـدأ فـي دورات الحضـارة، ونقـر بأن الحضارة الإسلامية أفادت من الحضارات السابقة خاصة الرومانية والإغريقية والهندية والصينية، فإن الإنصاف يدفعنا، انطلاقا من المبدأ نفسه، إلى التسليم بكون الحضارة الغربية التي نقلت الإنسانية من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، وباتت الحضارة المهيمنة خلال هذه المرحلة التاريخية أو الدورة الحضارية، قد أتكأت هـي الأخرى على الميراث الحضاري الكبير للعرب والمسلمين وطوعته إبـان انطلاقتها في دورتها الحضارية؛ وللأمانة فإن المنصفين وذوي الضمائر الحية من المؤرخين والفلاسفة الغربيين لا ينكرون هذه الحقيقة ولا يعترضون عليها.

بل إن بعضهـم يعـزو الأنطلاقة الحقيقية للحضارة الغربية إلى «الرشدية اللاتينية، ويصرح بأن الفيلسوف العربي أبن رشد هو صاحب الفضل في خروج أوربا من الظلمات إلى النور، فهو إلى جانب تبحره في الفقه والشريعة الإسلامية والطب والفلسفة، قد أنكب على كتب أرسطو وقرأها في لغتها الأصلية – اليونانية – وشرحها بأمانة علمية، وبعد وفاته بأقل من عشرين سنة أصدر «فريدريك الثاني» ملـك نابولي وصقلية قـرارا يقضي بترجمة جميع مؤلفاته إلى اللغة اللاتينية – وهي أصل اللغات الأوربية – والإفادة منها في النهضة الأوربية الجديدة.

أما لو أردنا الحديث عن أثر اللغة العربية والأدب العربي في الآداب الأوربية، فإن الأمر يتطلب دراسـة مطولة: وقـل مثـل ذلك عـن العلوم المختلفة، ويكفي حضارتنا فخرا أن كتاب «القانون في الطب» لأبن سينا الذي تُرجم أكثر من سبع وثمانين مرة ظل مدة أربعة قرون المرجع الرئيس لكليات الطب في أوربا، وفي مقدمتها كلية الطب في جامعة مونبيليه بفرنسا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى