الجديدمقالات

قراءة في كتاب “ما هو السرطان؟”

عامر هشام الصفّار

صدر قبل أشهر قلائل كتاب ما هو السرطان؟ قصة حياة، للباحث وأستاذ علم الأمراض الدكتور تحسين عيسى السليم، وذلك عن دار نشر ميزر في السويد. وقد جاء الكتاب على 146 صفحة من الحجم المتوسط، وبغلاف صمّمه غيث سلمان، وتوسطته صورة الكاتب وهو في مقتبل عمره، طبيبا، يبحث في عدسات مجهره عن مجاهيل الخلية البشرية وأمراضها.

وقد عرفت الأستاذ السليم مدرّسا لعلم الأمراض في كلية طب بغداد، وأحد أهم أساتذة هذا الفرع في الكلية، الذي يعّد أحد فروع العلوم الأساسية، والتي يجدر بطالب الطب فهمها ودرسها والنجاح فيها، إضافة إلى علوم الكيمياء الحياتية، وعلم وظائف الأعضاء، والتشريح، وغير ذلك، رغم أن مناهج دراسة الطب الحديث لها وجهة نظر أخرى اليوم لكيفية توظيف هذه العلوم الأساسية في تدريس الطب.  

وكتاب ما هو السرطان؟ قصة حياة، فيه من الفصول تسعة، تناولت موضوعات مهمة تخص التعريف بالمرض الخبيث وأسبابه، وأهم عوامل الخطورة المؤدية إليه، إضافة إلى تفصيل المؤلف في التغييرات الجينية، والطفرات الوراثية، وطبيعة المداواة المستهدفة للسرطان، والمداواة المناعية، وما تعنيه تطوراتها من تقدم طبي يخدم الإنسان بالنتيجة.

ثم إن المؤلف السليم لا ينسى من أن يوثق أكتشافاته الطبية التي يعتز بها في مجال معالجة السرطان، فيتحدث عن عقارات مضادة للألتهابات غير الأستيرودية في مداواة السرطان والوقاية منه. ثم إنه يتحدث عن الخزعة السائلة، والبكتيريا والسرطان، ويخصص فصلا خاصا لسرطان الثدي، وسرطانات غدد العقد اللمفاوية والدم، إضافة إلى فصل خاص في سرطان غدة  البروستات، كأمثلة يشرح من خلالها تطورات العلاج، في أسلوب بسيط سهل، يمكن للقارئ النبيه أن يفهمه بما يزيده وعيا بأهمية الوقاية من السرطان بالذات، فالوقاية ممكنة، كما يؤكد الكاتب السليم. ولكن كيف؟ .

 لا بد أولا من الإقرار بأن السرطان مرض ألتهابي بحوافز ألتهابية قد تستمر لفترة طويلة، مما يؤدي لفتح جينات التكاثر والأنقسام الخلوي، وإلى غلق جينات الموت الخلوي المبرمج (العملية الطبيعية)، فأذا بالتغيرات الجينية تصبح دائمة بأستمرارية التغيرات الألتهابية، حتى تتغير الكروموسومات في الخلية البشرية لتصبح جيناتها مسرطنة، أو قد تفقد الخلية الكروموسومات الرادعة للورم أو أجزاء منها، فينشأ السرطان.

 ثم لا ننسى حدوث الطفرات الوراثية التي تنشّط الجينات المسرطنة، وتضعف أو تلغي مفعول الجينات الرادعة للورم، وكل ذلك مما له علاقته بنشوء المرض الخبيث، وظهور علاماته وأعراضه في جسم الإنسان.

ومن أهم العوامل المسببة للألتهاب المزمن وبالتالي للسرطان عند الإنسان هي ممارسة العادات غير الصحية، ومنها التدخين، والذي يركز عليه الكتاب بأعتباره من أهم وأخطر الممارسات غير الصحية والتي قد يرافقها تغيرات جنب جينية للآلاف من الجينات في الخلية البشرية،  حيث من المحتمل أن تستمر هذه التغييرات- البصمات لعشرات السنين.

 ويعود سبب 40% من حالات السرطان في أمريكا مثلا للتدخين، إضافة إلى كونه العامل المسبب لأمراض القلب والأوعية الدموية و لتليف الرئتين.

ثم يشير الفصل الخاص لعوامل الخطورة المسببة للسرطان في الكتاب مثل الإدمان على الكحول، والذي يسبب سرطان الفم والبلعوم والكلى وغيرها،  اضافة الى عامل الغذاء غير المتوازن، والسمنة المفرطة، ونقص النشاط البدني، بما قد يصاحبه زيادة أحتمال الإصابة بسرطان الثدي والقولون والبنكرياس بشكل خاص.

ومن العوامل المسببة للسرطان أيضا الألتهابات الجرثومية والفيروسية المزمنة والطفيلية التي قد تصيب الأنسان، إضافة إلى الشد العصبي والقلق المزمن، والذي يؤدي لزيادة إفراز بروتينات السيتوكين، والتي تضعف مناعة الجسم بصورة عامة، مما يسمح بتنشيط الخلايا المضطربة جينيا.  هذا  إضافة إلى أن التقدم بعمر الإنسان وشيخوخته إنما يعتبر بحد ذاته مدعاة لتغييرات جنب جينية و طفرات وراثية، مما يفسر حقيقة أن السرطان هو أحد أخطر أمراض الشيخوخة.  وعليه، فإن التمتع بالشيخوخة الصحية -إذا جاز التعبير- يكون بالأمتناع عن العادات الضارة، كالتدخين، والإفراط بتناول الكحول، إضافة إلى ضرورة ممارسة الرياضة البدنية والفكرية والتغذية المتوازنة.

وحول ذلك يشير المؤلف السليم إلى أن هناك مواد غذائية حالّة للشيخوخة ومضادة لها إلى حد ما، ومنها ما هو متواجد في صبغات الفواكه والخضروات الملونة، كالعنب الأسود مثلا، والفلفل والطماطم والجزر والتفاح والتوت والتمر الذي يحتوي على الكثير من المواد الغذائية الحالّة لخلايا الشيخوخة في الجسد.  ولا بد من الإشارة هنا إلى مادة الكركم كمادة فعالة في حلّ الخلايا الشائخة، كما أن له تأثير إيجابي مضاد للفيروسات وألتهاباتها.

ثم أن كتاب ما هو السرطان يتطرق للعلاجات الحديثة للمرض بما يزيد إدراك القارئ للنتائج الأيجابية للجهود العلمية الحثيثة في هذا المجال. وعليه نقرأ عن العقاقير الحالّة للشيخوخة، وفي مقدمتها جزيئة صغيرة تستعمل لعلاج سرطان الدم النخاعي الحاد، إضافة إلى تطوير العقاقير الجديدة لمعالجة الاضطرابات ال” الجنب جينية ” والتي نجحت في أحتواء سرطانات عدة.

وحول المداواة المستهدفة للسرطان، يتحدث السليم عن تلك الخلايا البشرية الطبيعية. التي تحتوي على جين يسمى رتينوبلاستوما والذي يكبح نشاط الخلايا المتعبة لبرهة من الزمن، وليسمح لها بمعاودة نشاطها بعد ذلك.

أما الخلايا السرطانية فهي التي تسعى لأغلاق هذا الجين، لتستمر الخلية الخبيثة بالأنقسام والنمو.  وهنا فكّر العلماء بإيجاد العقاقير الخاصة بإعادة تتشيط جين ريتينوبلاستوما، وذلك بكبح جماح جينات تحد من فعاليته مثل P16, CKD4  لتتوقف خلايا السرطان عن النمو. وعليه يسأل الكاتب هل سيشهد العقد القادم نهاية العلاج الكيماوي للسرطان كما نعرفه اليوم؟ وليس ذلك فقط، بل أن العقاقير المستهدفة يمكن لها أن تفيد في علاج أمراض أخرى غير السرطان، دون أن ينسى الدكتور السليم هنا الإشارة إلى تجارب إنتاج لقاح ضد السرطان، بل لكل حالة سرطان بصورة شخصية، وذلك بأستخدام تقنية المرسال mRNA ، والتي أستعملت لإنتاج لقاح الكورونا أو ال كوفيد 19.

ومن الأهداف الجديدة لعلاج سرطانات الدم والغدد اللمفاوية مثلا هو العمل على أستهداف أيض الخلايا السرطانية ومحيطها الدقيق… وذلك للعلاقة الوثيقة بين عملية الأيض والتسرطن في أورام الدم كاللوكيميا وأورام اللمف كاللمفوما..

كما يمكن أستهداف السرطان بواسطة الفايروسات الحالّة له ، حيث يلخص الكتاب كيفية الحصول على عقار فايروسي مؤثر مضاد لبعض أنواع السرطانات حيث تستمر التجارب السريرية في هذا المجال.

وقد تناول الفصل الرابع من كتاب ما هو السرطان العلاجات المناعية بتفصيل مهم حيث يذكّر المؤلف القاريء أنه نشر قبل سبع سنوات مقالة ذكر فيها أن “أملي كبير بالسيطرة على عدد من السرطانات في المستقبل المنظور من خلال العلاج المناعي”. وهنا يفصّل في نتائج البحث العلمي المنشور في أحدى المجلات الطبية العالمية حول علاج الأنواع النادرة من سرطان القولون والمستقيم والغشاء المبطن للرحم، وذلك بواسطة أسلوب المداواة المناعية. كما يتطرق ببعض التفصيل لما يعنيه بالعلاج بالأسلوب المناعي المزدوج والذي بدأ يحقق نتائج مشجعة في علاج أمراض سرطانية مستعصية.

وكون مؤلف الكتاب من أساتذة علم الأمراض والفحوص النسيجية لأعضاء الجسم فقد منحه ذلك قدرة التفصيل في كيفية تشخيص المرض على صعيد التغيّرات الخلوية والنسيجية الجسمية، وفائدة الفحوصات النسيجية هذه وفحوصات الجينات Oncotype مثلا في التوصل مبكرا لتشخيص السرطان خاصة بعد أزالة ورم صغير الحجم.. فالتعرّف على جينات التكاثر ومستقبلاتها الهرمونية التي عددها 21 جينا يعتبر مهما لتحديد طبيعة وخطة العلاج، وفيما أذا أحتاج المريض الى علاج كيمياوي أو هرموني.. وهنا يتطرق المؤلف عبر صفحات خاصة في الكتاب للعقار البايولوجي الجديد لسرطان الثدي الشرس ويشرح ذلك بتفصيل لا يملّه القارئ.

أن قصة حياة السليم كطبيب عالم مرّت عبر صفحات كتابه هذا وذلك من خلال قصته مع الخلية البشرية طبيعية كانت أم مريضة… وما المرض الاّ ذلك الذي يخرج بالخلية عن سياقها فتتكاثر وتنقسم وتتغير وتتحور وتطفر جيناتها وراثيا ليتكون السرطان – مرضا خبيثا عانت وتعاني منه البشرية.. ثم أن هناك لمحات شخصية من حياة المؤلف مما له علاقة بالمرض، فهو يذكر والده وأخته وكيف أن المرض -السرطان قد أودى بحياتهما.. ويذكر معاناة مرضاه ومعاناة زملائه الأطباء وخاصة في العراق وهم يشخصّون المرض سوية معه، ولكنه العلاج الذي قد يصعب فيودي بحياة المريض.. ثم ان السليم يذكر خالته الكاتبة العراقية المعروفة الراحلة ناجية المراني وكيف انها قالت له يوما أن كلمة الجين هي كلمة عربية مبينة مما أشار أليه في الكتاب…

أن لغة المؤلف العربية اليسيرة ومحاولته وأجتهاداته في تعريب المصطلح الطبي الخاص بعلوم السرطان جعل من كتاب “ما هو السرطان؟” مرجعا علميا في مجاله وليس فقط كتابا لعامة القراء..

وكم وددت ان لو ضمّن السليم كتابه بعض الصور والمخططات التوضيحية حول الخلية البشرية الطبيعية والسرطانية وحول مكوناتها الوراثية ليزيد في التبيان.. وقد يكون ذلك في طبعة ثانية للكتاب خاصة وأن هناك العديد من البحوث الطبية التي تنشر كل يوم حول موضوع السرطان …تشخيصا وعلاجا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى