الجديدمقالات

من رموز الثقافة العربية: علي الراعي…من أبرز نقاد الرواية والمسرح

خلف أحمد محمود

الدكتور علي الراعي (1920-1999)، واحد من أبرز النقاد المعاصرين، الذين تميزوا في نقدهم بالحس الوجداني والشفافية، في كل ما يقدمه للقارئ، فهو ناقد من طراز فريد، وكاتب متعمق الثقافة، وصفه الدكتور شكري عياد أنه من طراز سنت بيف، وهازلت، وهنري بوردو، وأدموند ولسن، وبريستلي ومورجان، وهو أيضاً من طراز العقاد، والمازني، وطه حسين، ومحمد مندور، ومارون عبود، كل هؤلاء كانوا فنانين بالسليقة، ومعظمهم مارسوا فنون القصص أو المسرح أو الشعر، أو جمعوا بينها وبين النقد.​ 

وإذا كان النقد قد أستأثر بعلي الراعي، فقد كان في نقده فناناً، أعتمد على حلمه وثقافته، وتنوع مواهبه، ولم يعتمد على شيء آخر، وكانت ومازالت خبرته العلمية والأدبية والمسرحية موضع التقدير، ولد الدكتور علي الراعي، في محافظة الإسماعيلية عام (1920م)، ودرس الأدب الإنجليزي في جامعة القاهرة، التي تخرج فيها عام (1944م)، ثم حصل على منحة دراسية مكنته من الحصول على شهادة الدكتوراه، من جامعة برمنجهام البريطانية، وكان موضوع أطروحته حول الأديب الإنجليزي الساخر (جورج برناردشو).

والأمر المثير للدهشة في مسيرة الراعي النقدية، أن ثقله كناقد كبير، لا يعود فقط إلى تبحره الأكاديمي والمعرفة العلمية والمنهجية الموسوعية، التي تسلح بها خلال دراسته، وإنما يرجع في المقام الأول، إلى أبتداعه أسلوباً في الكتابة النقدية، أرتكز على التبسيط وإبداء روح الهواية والأهتمام بالقارئ العادي، وأشتراط محبة النص كضرورة، قبل الإقدام على تحليله، حيث كان صاحب مدرسة في النقد الأدبي، قامت على بساطة النقد، دون أن يرهق قارئه بشيء من الحصار المعرفي المنهجي، الذي تمخضت فيه نظريات الأدب والنقد وعلوم السرد، في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث كان شديد الثقة بذائقته وحساسيته، ويرى في ذلك الكفاية لقارئ الصحيفة ومحب الأدب، فتميز نقده بصفاء اللغة، التي حملت نفساً إبداعياً ميزه عن سواه من النقاد، من خلال مقارباته النقدية العميقة، التي أبتعدت عن الأحكام، التي كانت سمة الكتابات النقدية في ذلك الوقت، وقد أستمر على هذا المنوال حتى النهاية، فقد كانت دراساته النقدية، أقرب إلى محاولات للبحث عن مواطن الجمال في الأعمال الإبداعية من شعر ورواية ومسرح، فقد قال في أحد أحاديثه (إنني لا أكتب نقداً، بقدر ما أحاول أن أرد الجميل للكاتب الذي أمتعني من خلال كتاباته).

وهنا أختار الراعي طريق البساطة في النقد، بعيداً عن التقعر بالمصطلحات والمفاهيم الغامضة، جاعلاً قارئه يرى النقد ويرى النص ويضع أصابعه على مواطن الجمال فيه، ويسعد بالأضواء الباهرة والبراعم والزهور الأدبية، التي أضاء بها الراعي النص، وقد تجلت هذه الروح النقدية، عند الراعي في أتجاهين أساسيين هما مجال المسرح، ثم الرواية، فكما هو معروف فإن الدكتور علي الراعي يعد من أبرز نقاد المسرح العربي، الذي أحتضن مفهوم الفن الشامل، الذي بذره توفيق الحكيم، في ثقافتنا المسرحية المعاصرة، بحيث يتوازى الجانب الأدبي للنصوص المقدمة، مع فنون الممارسة العملية والمهارات الحركية والتعبيرية، ذات العروض الشعبية الأصيلة، ذلك من خلال تلك الأعمال التأسيسية، التي كتبها في مجال المسرح العربي، بداية من ثلاثيته في التعريف بالمسرح والتأريخ له والمكونة من كتبه (الكوميديا المرتجلة، فن الكوميديا من خيال الظل حتى الريحاني، مسرح الدم والدموع)، وفي هذه الكتب الثلاثة، لم يكن على الراعي ناقداً للمسرح يؤرخ لأشكال الفرجة، التي عرفها العرب قديماً، بل كان يبدأ مشروعه الكبير في التنظير لشكل مسرحي عربي الملامح، منطلقاً من صلة وضع يده عليها بين فنون الفرجة القديمة، التي عرفتها المجتمعات العربية في فترات متفرقة من تأريخها، وبين المسرح في شكله الجديد الذي أخذه العرب عن أوروبا.

وانطلاقاً من نظرته هذه إلى فن المسرح وأصوله، وقف علي الراعي مع المحاولات المسرحية، التي انطلقت من فكرة إيجاد شكل عربي للمسرح، وليس مسرحاً عربياً، أينما ظهرت مثل هذه المحاولات، في لبنان، أو المغرب، أو مصر، أو تونس، أو فلسطين، أو الكويت، أو أي بلد عربي آخر، فقد كان مهموماً بالمسرح العربي عموماً، وليس بالمسرح المصري فقط، كما جاء في كتابه (هموم المسرح وهمومي)، ليكون أقرب إلى شهادة أخيرة من رجل عشق المسرح وتابعه، ثم كتابه المهم (المسرح في الوطن العربي)، الذي يعد محاولة جادة لرسم صورة شاملة لواقع المسرح العربي المعاصر، كما تجلت أهتماماته المسرحية، بصورة عملية بدوره في تأسيس مسرح العرائس، والفرقة القومية للفنون الشعبية، والدعوة إلى تقديم العروض المسرحية العربية جنباً إلى جنب مع العروض المسرحية المصرية، بهدف صناعة نموذج لمسرح قومي عربي، كما كان شديد الأنتصار للموسيقى العربية، ساعياً لتنميتها تعبيراً عن الهوية العربية الخاصة بها.

ثم جاءت المغامرة الثانية، التي أستقطبته في مجال النقد، وهو مجال الإبداع الروائي، وانطلاقاً من النظرة، التي نظر بها إلى المسرح، عاد (لراعي) إلى التاريخ العربي القديم، ليستكشف بعض أشكال القص، خارج (ألف ليلة وليلة)، فقد وجدها في مقامات الحريري وبديع الزمان الهمذاني، التي أعتبرها شكلاً قصصياً بدائياً، ولكنه بالعقلية نفسها، لم ينطلق من نظرة جامدة أو متعصبة لهذا الأمر، بداية بكتابه الأول عن الرواية، (دراسات في الرواية المصرية)، الذي صدر عام (1964م)، وتناول فيه أبرز الأعمال الروائية؛ بدءاً بالمويلحي، وصولاً إلى ثلاثية نجيب محفوظ، ثم جاء كتابه الثاني (الرواية في الوطن العربي)، التي كتب عنها بحماس شديد قائلاً (المجد للرواية العربية)، (لقد جعلها أفضل المبدعين فيها لسان حال الأمة، وديواناً جديداً للعرب ومستودعاً لآمال وآلام أمتنا العظيمة المقطعة الأوصال)، حيث هدف الراعي من وراء هذا العمل، إلى تقديم صورة بانورامية للإبداع الروائي في بلاد العرب، وغاص في غمار أربع وثمانين رواية عربية معاصرة، محللاً أجزاءها وأعاد تركيبها وفق منظور نقدي خاص، سعى من خلاله إلى توسيع دائرة الثقافة، إلى نطاق أبعد من دائرة النخبة الضيقة، في أسلوب واضح مشع، تكاد سلاسته تكون أقرب إلى الحديث القصصي الماتع، الذي يستحوذ على إعجاب القارئ العادي.

وعبر مسيرة (الراعي) الأدبية والنقدية، فقد أثرى المكتبة العربية بنحو خمسين كتاباً، إلى جانب ترجمات لمشاهير الكتاب العالميين أمثال، تشيخوف وإبسن، كما عمل مقدم برامج في الإذاعة المصرية، وقام بتدريس مادة الأدب المعاصر في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وعمل رئيس تحرير مجلة (المجلة) الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية، حيث تحولت المجلة في عهده، إلى قبلة لكل أصحاب الرؤى النقدية المميزة، وتآلف على صفحاتها كبار الكتاب والمبدعين والنقاد، أمثال: طه حسين، ولويس عوض، وزكي نجيب محمود، ومحمد مندور وغيرهم، وقد نال الراعي عبر هذه المسيرة، العديد من الجوائز، نذكر منها: جائزة الدولة التقديرية بمصر، وجائزة التقدم العلمي في الكويت، وقد رحل عام (1999م)، ولتظل أعماله النقدية أحد أعمدة التأسيس في حركتنا الثقافية العربية حتى الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى