الجديدمقالات

د هاشم مكي الهاشمي… الجرّاح الشاعر

عامر هشام الصفّار

قبل وصولي لمدينة عمان في أواخر شهر أيلول/ سبتمبر الماضي كنتُ قد أتصلتُ بأستاذي في الطب والجراحة الدكتور هاشم مكي الهاشمي لتحيته أولا ً، ثم لتحديد موعد لقاء معه في المدينة لمناقشة كتابه الجديد أو لنقل قصيدته الجديدة والتي جاءت بعنوان “فن الجراحة  شعرا”…فإذا بها قصيدة بأكثر من 60 بيتا، بشعر الشطرين أو الشعر العمودي، تدور حول خبرته في جراحة الغدة الدرقية وأمراضها، وكيفية تعامل الجرّاح معها.
 ثم إني أذكر الأستاذ هاشم مكي الهاشمي معلماً ومربياً فاضلاً في كلية الطب بجامعة بغداد، حيث درّسنا مبادئ علم الجراحة العامة في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وهو التدريس عبر المحاضرة على طلبة الصفوف المنتهية في سنوات دراسة الطب، وعبر الدرس السريري، حيث يجري الأستاذ عملياته في صالة العمليات في مدينة الطب ببغداد، والطالب المتدرّب يراقب ويسأل ويبحث، وقد يسمح له الأستاذ بالمشاركة البسيطة في العملية إن كان الطالب من النابهين.
 وكم سررتُ بلقاء الأستاذ الهاشمي في مكان جميل في مدينة عمّان حيث يقيم منذ سنوات، فإذا به يصعد سلّم محلات الحبيبة٢، وهي محلات الحلويات في دوار الواحة في عمان، فنجلس سوية في الطابق الأول من المحل، ومعنا قنينة الماء والقهوة العربية اللذيذة. ثم أن الأستاذ جاء بحقيبته وأوراقه ومجموعته الشعرية “فن الجراحة شعرا”، فرحنا نستذكر جهده العلمي الكبير في سنوات السبعينات و بداية الثمانينات في الكلية الطبية، وهو يدرّس ويعمل ويقوم بإدارة المستشفى التعليمي الكبير في مدينة الطب لفترة من زمن أحتاجت فيه وزارةالصحة العراقية خدماته حينذاك.
 ثم دار الحديث عن الشعر وكيف أن الأستاذ الهاشمي قال أنه كان قد تأثر بألفية ابن مالك في أستخدام الشعر في التعليم والتدريس، وهو الذي يخوض اليوم التجربة بقلم المقتدر صاحب الموهبة التي تحسها بين أبيات قصيدته حيث سمّى الغدة الدرقية بهند فقال:
 أذنت هندٌ بوصل مزدهر
 بعد هجران ويأس وسهر
 فتمنيتُ بأن لو كان لي
من جناح الطير لكن أفتقر
 طرتُ فيها تابعا صوب الهوى
 لحبيب نيّر الخدين غرّ
 أنا قد أسميتها هنداً كما
أنا قد أحببتها منذ الصغر
 أنا يا هند طبيب قد قضى
عمره طراً لنيل المفتخر
‏ثم أن رئيس مجمع اللغة العربية في عمّان الأردن الدكتور خالد الكركي كان قد كتب عن “فن الجراحة شعرا” قصيدة الهاشمي الأستاذ.  قال الكركي:
 “فقد سعدت بقراءة هذه القصيدة، ووجدت شعراً لعالِم جليل في موضوع طبي معقد بالنسبة لنا عند أهل حرفة الأدب.  والقصيدة من حيث الشعرية لا ينقصها شيء في نحوها ولغتها وعَروضها،  بل أن فيها صورا جميلة في مقدماتها.

ولم يكتفِ الأستاذ الهاشمي ‫بأن أهداني نسخة من “فن الجراحة شعرا” بل حمل في  حقيبته لي نسخة من كتابه الثمين “رحلة إلى الماضي الجميل..حكاية حياة طبيب عراقي”،  ونسخة من كتابة الطبي الذي جمع فيه بحوثه حيث جاء بعنوان “الأكياس المائية في التجويف البطني”.
وقد لاحظت ان كتاب رحلة إلى الماضي الجميل كان قد أهداه الهاشمي الأستاذ الى الأعزاء طلبة الطب سابقا، والذين أصبحوا أشهرالأطباء والعلماء في العالم. وهنا يستذكر بيت شعر لأمير الشعراء أحمد شوقي:

وإذا فاتك إلتفات إلى الماضي
          فقد غاب عنك وجه التأسي
ويضيف أن شوقي أراد بذلك أن يقول أن الماضي بتجاربه وأحداثه هو مصدر مهم من مصادر المعرفة، وإذا ما يعجز المرء عن الأستفادة من هذا المصدر فإنه يفقد كنزا ثمينا من مصادر أستنباط العبر والحكمة وأستشراف المستقبل.
 ثم يقول الهاشمي في مقدمة كتابه هذا “وإذ يسطّر الكاتب أفكاره على الورق ليبعث فيها الحياة، ملتذاً مرة وملتاعاً مرات أُخر، متمنيا أستعادة وجه الماضي، ليكون مرجعاً للأجيال اللاحقة، ومتحفاً يعج باللُقى والآثار”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى