أخبارالجديد

الكاتبة بروين حبيب تكتب عن مهرجان المربد في بصرة العراق

بروين حبيب/ شاعرة وأعلامية من البحرين

ما أن أنتهت فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، حتى لبيت دعوة كريمة للمشاركة في مهرجان المربد الشعري، في دورته الخامسة والثلاثين. ولم أكن لأفوّت فرصة قراءة جديدي والاستماع إلى التجارب الشعرية المختلفة، في عرس للشعر، تكرس قبل أكثر من خمسين سنة كواحد من أكبر التجمعات الشعرية في العالم العربي.
وعراقة هذا المهرجان، الذي يستمد تاريخيته من سوق المربد، الذي يقع على بعد ثلاثة أميال من البصرة، والذي كان مثل سوق عكاظ موسمًا يتبارى فيه الشعراء، وتُردد فيه نقائض جرير والفرزدق، وتلتقي فيه غزليات أبي نواس بمدائح بشار بن برد. وقد أعيد إحياؤه من جديد سنة 1971. وفي أرجائه تجاوبت جزالة الجواهري مع حداثة محمود درويش، وأعلن نزار قباني من على منبره حبه لبلقيس الراوي، واكتشف رواده رجلا أشعث أغبر أعمى، أذهل الجميع بشاعرية فذة، يدعى عبد الله البردوني.
هذه المشاعر وتزاحم الصور والأفكار انتابتني يوم زيارتي الأولى للمربد في دورته الثانية والثلاثين سنة 2018، والتي حملت اسم الشاعر كاظم الحجاج، ويحلو لي أن أسميها زيارة الاستكشاف التاريخي، والتعرف على مدينة الخليل بن أحمد الفراهيدي والجاحظ والكندي وإخوان الصفا وبدر شاكر السياب، أحد شعرائي الأثيرين، بل كنت محظوظة بزيارة بيت جده حيث نشأ وتربى، فرأيت أين كان يدرس وينام، وتعرفت على أبنته آلاء، التي أهدتني مجموعة من الطبعات الأولى لدواوين والدها. ورأيت «بويب» هذا المجرى المائي الصغير، الذي يشبه الساقية، لكن ولَهَ السياب به حوّله في قصيدة «النهر والموت» إلى نهر عظيم لا يقل عن النيل والسين الباريسي والدانوب، وجعله معادلا للخصب حينا وللحزن حينا آخر.. «أغابة من الدموع أنت أم نهر؟».
ومن زيارتي الأولى للمربد مازلت أحتفظ ببسمة على الشفاه ودمعة في العين لذكرى سهرة شاعرية جمعت بين الشعر والفن على شط العرب مع الشاعر الغنائي، الذي غادرنا قبل أشهر «كريم العراقي» وهو فاكهة المجالس، بروحه المحبة وشغفه بالشعر.
هذه المشاعر انتابنتي وأنا أزور البصرة، للمرة الثانية، بعد غياب عنها دام ست سنوات، فإذا بي أجد مدينة حديثة. وبدل فندق الشيراتون، الذي نزلنا فيه أول مرة، أقمنا في فندق «غراند ميلينيوم» بمواصفاته العالمية، فكأنّ المهرجان، بل والمدينة، أجريت لهما عملية تحديث، بلغة مبرمجي الكمبيوتر.
قررت اللجنة المنظمة لهذه الدورة «أن تكون فلسطين ضيف شرف، تضامنًا معها وشعبها وأدبها، ودفاعًا عن حقّها المسلوب ظلمًا وجورًا». كما جاء في بيان وزارة الثقافة والسياحة والآثار، الجهة المنظمة للمهرجان. والحق أن الحضور الفلسطيني كان جليّا، من خلال القصائد، التي تناولت هذا الجرح النازف، أو من خلال الأحاديث الجانبية والجلسات الحوارية.
كما حملت الدورة اسم الشاعر أحمد مطر ابن قرية التنومة القريبة من البصرة، في بادرة جميلة بتكريم الشعراء الأحياء، بعد أن دأبت العادة على تكريمهم أمواتا. ولم يحضر الشاعر المكرّم نتيجة مرضه وإقامته بلندن كما قيل. وعُرض ضمن فعاليات المهرجان فيلم وثائقي عنه لخص مسيرته، وتناول أبرز محطات حياته. وأحمد مطر شاعر إشكالي، سواء في مضامين قصائده، أو حتى في شاعريته. فقد اختلف فيه النقاد والقراء ما بين «محبِّ غالٍ ومبغضٍ قالٍ». فمنهم من يصنفه في خانة الهجّائين السياسيين مثل دعبل الخزاعي قديما ومظفر النواب حديثا، ومنهم من يرى أنه طور القصيدة القصيرة ذات القفلة المفاجئة، التي وُجدت بذورها عند نزار قباني، وجعلها فنا قائما بذاته، أشبه بتواقيع الخلفاء العباسيين، سماها «اللافتات»، دون أن يغمطه ذلك حقه في أنه شاعر له مريدوه ومعجبو شعره الكُثُر، سواء اتّفقنا مع مضامين ما يكتب أو اختلفنا.
في مربد هذه السنة اجتمع أكثر من أربعمئة من الشعراء والأدباء العراقيين والعرب، لذلك شهدت الأمسيات زحمة قراءات، إذ تناوب على مسرح الشعر في لياليه الستّ أكثر من ثلاثين شاعرا وشاعرة في الليلة، وهو عدد كبير، آمل أن يلتفت إليه المنظمون في دوراتهم اللاحقة، فتُغلّب النوعية على الكميّة. وكنت سعيدة بالاستماع إلى الشاعر كاظم الحجاج، الذي كُرّم في الدورة، التي حضرتها من قبل، وهو يلقي قصيدة منسية عثر عليها بين أوراقه في رثاء الشاعر البصري محمود البريكان. كما تعرفت على شعراء جدد، بعضهم سبق أن قرأت له، والبعض الآخر كان اكتشافا بالنسبة لي. ولعل المشاركة العمانية في المهرجان كانت لافتة بثالوثها الشعري، الذي تميز بحضوره الإبداعي: الشاعر عبد الله العريمي والشاعر حسن المطروشي وأميرة الشعراء عائشة السيفي.
ويمكن أن أنوّه بإضافات جميلة للمشهدية الشعرية العربية من خلال قراءات أحمد إدريس من ليبيا، ونذير الصميدعي من العراق، ومحمد البريكي من الإمارات، وعمر الراجي من المغرب، ومحمد يعقوب من السعودية. وكان للقصيدة العمودية بكلاسيكييها الجدد مثل الشاعر العراقي أجود مجبل والشاعرة السورية ليندا إبراهيم حصة الأسد، رغم حرص المنظمين على تمثيل مختلف الحساسيات الشعرية، دون التحيز لشكل شعري على حساب الآخر.
وحين سألت الدكتور الشاعر عارف الساعدي هل هو غياب طوعي لشعراء قصيدة النثر أو تغييب قسري؟ أخبرني أن الدعوات وجهت لمبدعي هذا الشكل الشعري، ولكنّ كثيرا منهم اعتذروا عن الحضور.
كما استرعى انتباهي الحضور الذكوري الطاغي للشعراء على حساب الشاعرات، مما يوحي للمشاهد عن بعد أن الشعر اختصاص رجالي، وهو ما جعلني أستحضر بشاعة الصورة في الجملة، التي اشتهرت على لسان الفرزدق حينما قيل له: إن فلانة تقول الشعر، فأجابهم: «إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها».
كما إن الشعراء العراقيين كانوا من الكثرة إلى درجة كادت أن تتحول المربد إلى ملتقى للشعر العراقي، لا مهرجانا للشعر العربي، فانعكس ذلك أحيانا على ضعف بعض المشاركات، وغلبة المنبرية والخطابية والنظم على كثير من القصائد، ونتج عنه ترهل شعري يضاف إليه ما ينجم عنه من إرباك في جدولة القراءات، والالتزام بالبرنامج اليومي للأمسيات. وهي ملاحظات يمكن تداركها، خاصة مع حرص المنظمين على مواكبة ما يستجد، وخاصة في الجلسات النقدية، التي تناولت موضوعات راهنة كالواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي.
لأسبوع كامل تتحول البصرة إلى عاصمة عربية للشعر، نستمع إليه ونحن في رحلة إلى الأهوار، أو ونحن تتناول المسكوف في المضافات، أو في ضيافة الشاعر حبيب السامر، مستمتعين بكرمه وشعره في حضن مكتبته، «فالشعر يولد في العراق، فكن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي»، كما أنشد درويش ذات زيارة بغدادية. والكرم يولد أيضا في العراق بتلك الحفاوة الفطرية، التي استُقبل بها الشعراءُ الضيوفُ، شعبيا ورسميا، والتي تذكرني بقول الجواهري في مقصورته مع تغيير مقصود حين قال: تُريكَ العراقَّي في الحالتينِ/ يُسرِفُ في (شعره) والنَّدى. وذلك ما أكده لي الشاعر القطري محمد السادة، وهو الذي حضر مهرجان المربد، منذ عهده الأول، حين أنشد البردوني قصيدته البائية «أبو تمام وعروبة اليوم»، وتغنى نزار بمواويله الدمشقية إلى قمر بغداد.
برغم الموافق والمخالف يبقى المربد مساحة للشعر يلتقي فيها الذين لا يزالون يحلمون بفعل الكلمة، في زمن تغوّل التكنولوجيا، ويبقى ساحة تجالس فيها القصيدة العمودية ابنتها قصيدة التفعيلة، دون أن تنظر شزرا إلى قصيدة النثر. ففي النهاية المنتصر الأكبر هو الشعر في زمن كثر المنادون فيه بموت الشعر وسلب الشعراء أحلامهم.
غادرتُ المربد بعد أيام من الإقامة في مملكة الكلمات وعلى لساني تتردد أغنية الفنان الراحل فؤاد سالم «رجعنا على درب الشوگ للبصرة».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى