الجديدمقالات

يا للإنسـان من كائـنٍ ملول

علي جعفر العلاّق

للشاعر الأمهر سعدي يوسف، قصيدة قصيرة، قرأتها منذ زمن طويل. لم أحفظها، لكنها ما تزال عالقة إجمالاً بأطراف الذاكرة. القصيدة، ككل شعر جيد ومتقن الصنع، كأنها مكتوبة لنا جميعاً ، يصور فيها خصلة الملل المتأصلة في النفس البشرية ، حقيقة موجعة كالحياة، نعيشها أو تعيش فينا، كل لحظة دون أن نفطن، ربما، الى ما فيها من لذةٍ ومرارةٍ في ذات الوقت:

العشيقةُ حين تكونُ البعيدَ تحنُّ اليها ..

وحين تكونُ لديها

تمَلُّ ..

أهـذا هـو الكونُ : ضوءٌ وظلُّ ؟

حين قرأت هذه القصيدة لأول مرة أحسست أن لها جمالاً خاصاً. فهي قصيرة وصافية، وتنتهي بخلاصة كونية مكثفة، لكنها مشوبة بحزن شديد القسوة والهدوء في آن واحد. وربما جاءت خصوصية القصيدة من هذه النقطة بالذات.

وإذا كان سعدي يوسف قد لامس هذه الخاصية في نفس الانسان، هذا الكائن القلق المتحوّل وكثير الالتفات، فإن شاعر الغزل العذري، جميل بثينة، قد فعل الشيء نفسه من منطلق آخر، أشدّ ذاتية وأكثر دلالة على ذلك النزوع الذي يستعصي على الثبات والتماسك:

يموتُ الهوى منّي إذا ما لقِيتُها

ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ ..

والشاعران ، كلاهما، لا يلجآن الى حالة فردية مخصوصة، أو تجربة محددة. بل يكشفان، من خلال استخدامهما للفعل المضارع تحديداً، عن الراسخ من طبيعة التقلّب لدى البشر، التي يصح اعتبارها مشتركاً إنسانياً عاماً.

وغير بعيد عن سعدي يوسف وجميل بثينة، يرصد شاعر رقيق آخر، أبو صخر الهذلي، الحالة نفسها ومن منظور أشد اتصالاً بذاتين يصهرهما خطاب المحبة، لا عبر ضمير الغائب كما في النموذجين السابقين، بل من خلال حرارة اللغة وراهنيتها، ليتصاعد الضميران في فعل الخطاب، لوعة تتدفق بين التلهف والصدود، الهجر والزيارة. ويأتي بناء الفعل للمجهول وأستخدام الحرف “حتى” لانتهاء الغاية، ليؤكد حالة النفس وما يحتدم فيها من تضاد في الأهواء والمزاج والرغبات:

هجرْتُكِ حتى قيلَ لا يعرفُ الهوى

وزرتكِ حتى قيلَ ليس له صبرُ

يقف أبو صخر الهذلي، أمام حبيبته، ليكشف لها عن تلاطم نواياه وارتداد أفعاله إزاءها. لحظة أعترافية نادرة ينقلب فيها الشاعر المحبّ على تعلّقه بالمرأة التي يحب وعلى صدوده عنها أيضاً. شرخ لا يمكن التئامه، في لحظة يكون فيها المحب، أو يفترض أن يكون، في أكثر لحظاته تناغماً مع ذاته وأنسجاماً مع خياره الإنساني الحرّ والمبرأ من أيّ إكراه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى