أخبارالجديدمقالات

الدماغ الرقمي.. خرافة الذكاء

تحسين الشيخلي

أعادت التطورات الحديثة في تعلم الآلة العميق إحياء الأهتمام بقرب أختراع الآلات التي يمكنها التفكير والتصرف مثل البشر ، أو الذكاء الاصطناعي العام. ومن خلال أتباع مسار بناء شبكات عصبية أكبر وأفضل ، يذهب التفكير، من أننا سنتمكن من الأقتراب أكثر فأكثر من إنشاء نسخة رقمية من الدماغ البشري.

لكن هذه الفكرة لا زالت تعتبر (خرافة) ،فجميع الأدلة تشير إلى أن ذكاء الإنسان والآلة مختلفان أختلافًا جذريًا. 

الأستدلال كوظيفة

الوظيفة الأساسية للكائنات الذكية ،هي( الأستدلال) أي فعل الأنتقال من الملاحظات إلى الأستنتاجات. نحن نستنتج الأشياء باستمرار بناءً على ما نعرفه وما ندركه. يحدث معظمها دون وعي ، في خلفية أذهاننا ، دون تركيز وأهتمام مباشر.

ومن المعروف فأن أي نظام يستنتج يجب أن يكون لديه بعض الذكاء الأساسي، لأن فعل أستخدام ما هو معروف وما يتم ملاحظته لتحديث المعتقدات مرتبط بشكل لا مفر منه بما نعنيه بالذكاء.

الكائنات الذكية تستخدم الأستدلال الأستنتاجي، وهو ما يشير إليه كثيرون ب (الفطرة السليمة). إنه الإطار المفاهيمي الذي نرى من خلاله الحقائق أو البيانات والفعل الذي يجمع الأنواع الأخرى من الأستدلالات معًا. إن كل ذلك يمكننا من التركيز في أية لحظة على ما هو ذي صلة بين الكم الهائل من المعلومات الموجودة في أذهاننا وكمية البيانات التي نتلقاها من خلال حواسنا.

يبني باحثو الذكاء الاصطناعي أنظمتهم على مفهوم الأستدلال، والذي يعني أستخلاص النتائج بناءً على الملاحظات أو الأدلة. ويعد الاستدلال مكونًا رئيسيًا للعديد من خوارزميات الذكاء الاصطناعي، حيث يسمح لأجهزة الكمبيوتر بإجراء تنبؤات أو قرارات بناء على البيانات.

في الذكاء الاصطناعي يتم أستخدام نوعين من آليات الأستدلال (الأستنتاجي والاستقرائي).

يستخدم الأستدلال الاستنتاجي المعرفة المسبقة للعقل حول العالم. هذا هو أساس الذكاء الاصطناعي الرمزي ، حيث يشير مصطلح الذكاء الإصطناعي الرمزي الى مجموعة من الكلمات أو الرموز التي يستطيع البشر فهمها، إلى جانب القواعد التي يمكن للبرنامج دمجها و معالجتها بغرض أداء المهمة المعطاة إليه. أن جلّ ما يعتمد عليه هذا النوع هو المعلومات التي يتم إدخالها له لا على مدى إدراكه للمهمة التي يريد إنجازها فقط. وهذه الطريقة مستوحاة من (المنطق الرياضي) و كذلك من الطريقة التي يصف بها الناس عمليات التفكير الواعي. و من الأمثلة على هذا النهج هو (النظم الخبيرة).

وكانت هذه الآلية هي المحور الرئيس للباحثين في العقود الأولى للذكاء الاصطناعي. ينشئ المهندسون أنظمة رمزية من خلال منحهم مجموعة محددة مسبقًا من القواعد والحقائق، ويستخدم الذكاء الاصطناعي هذه المعرفة للتفكير في البيانات التي يتلقاها.

النوع الآخر من آليات الأستدلال ، هو، الأستدلال الاستقرائي ،الذي أكتسب المزيد من الجاذبية بين باحثي الذكاء الأصطناعي وشركات التكنولوجيا في العقد الماضي، وهو أكتساب المعرفة من خلال الخبرة.

  خوارزميات التعلم الآلي

أما خوارزميات التعلّم الآلي فهي محركات أستقراء. وسيجد نموذج (تعلم الآلة) المدرب على الأمثلة ذات الصلة أنماطًا ترسم المدخلات و تقود إلى المخرجات. وفي السنوات الأخيرة ، أستخدم باحثو الذكاء الاصطناعي التعلم الآلي والبيانات الضخمة والمعالجات المتقدمة لتدريب النماذج على المهام التي تتجاوز قدرة الأنظمة الرمزية.

عندما تناول رواد الذكاء الاصطناعي الأوائل مسألة الأستدلال الأصطناعي (جوهر الذكاء الأصطناعي) ، أفترضوا أن كتابة قواعد الأسلوب الاستنتاجي يكفي لتوليد الفكر والفعل الذكي .

على مدى عقود ، حاول الباحثون التوسع في أنظمة الذكاء الأصطناعي الرمزية من خلال تزويدها بقواعد وحقائق مكتوبة يدويًا. كانت الفرضية هي أنه إذا منحت نظامًا للذكاء الاصطناعي كل المعرفة التي يعرفها البشر، فسيكون قادرًا على التصرف بذكاء مثل البشر. لكن الذكاء الاصطناعي الرمزي الخالص فشل لأسباب مختلفة. لا يمكن للأنظمة الرمزية أكتساب وإضافة معرفة جديدة، مما يجعلها جامدة. وقد يصبح إنشاء ذكاء اصطناعي رمزي مطاردة لا نهاية لها، لإضافة حقائق وقواعد جديدة فقط للعثور على نظام يرتكب أخطاء جديدة لا يمكنه إصلاحها. والكثير من معرفتنا ضمني ولا يمكن التعبير عنها في قواعد وحقائق يتم تغذيتها للأنظمة الرمزية.

في العقدين الماضيين ، مع تزايد توافر البيانات وموارد الحوسبة، أصبحت خوارزميات التعلم الآلي، وخاصة الشبكات العصبية العميقة، محط أهتمام مجتمع الذكاء الأصطناعي. لقد فتحت تقنية التعلم العميق العديد من التطبيقات التي كانت في السابق خارج حدود أجهزة الكمبيوتر. وقد أجتذبت أهتمامًا وأموالًا من بعض أغنى الشركات في العالم، لكنها ما زالت ضمن أطار الذكاء الاصطناعي الضعيف، ولا يمكن أن تصنف على أنها ذكاء حقيقي او تفكير فطري، فهي خوارزميات تستنتج على أساس مفهوم ( السبب و النتيجة) أي تستقرأ السبب من خلال حزمة البيانات التي تتعلم منها للأستدلال على النتيجة.

إذا نظرنا إلى ظهور الذكاء الاصطناعي من العملية التاريخية للأختراع البشري والتصنيع وأستخدام الأدوات، فسنجد أن الذكاء الأصطناعي هو أداة ذكية. على الرغم من وجود أختلافات نوعية عن الأدوات المادية السابقة، بناءً على طبيعتها كأدوات، إلا أنها تتمتع ببعض الخصائص نفسها. في المنافسة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي ، فإن أنتصار بعض خوارزميات الألعاب على اللاعبين البشر، في الواقع، ليس أنتصارًا للروبوتات الذكية، بل أنتصار العديد من خبراء الخوارزمية من البشر الحاليين والسابقين. لذلك، لا يمكننا ببساطة أستخلاص أستنتاج مفاده أن ذكاء الروبوتات أعلى من ذكاء البشر، أو أن الروبوتات يمكن أن تحل محل البشر أو تهيمن عليهم.

نظرية الأداة

يجب أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي من تاريخ أختراع الإنسان وأستخدام الأدوات ومن العلاقة بين البشر والأدوات، من منظور نظرية الأداة. فلقد كانت أولى أدوات البشرية هي الأدوات الحجرية التي صنعها الأسلاف البدائيون. بعد دخول الحضارة الزراعية، أخترع المزارعون وصنعوا وأستخدموا أدوات زراعية مختلفة. بعد دخول الحضارة الصناعية، أخترع المهندسون وصنعوا مجموعة متنوعة من الأجهزة الآلية. وتعتبر أدوات الحجر وأدوات المزرعة والآلات بمثابة أستبدال وتمديد وتوسيع للقدرة البدنية البشرية. وعليه فكل قفزة نوعية في الأدوات المادية هي تحرير هائل للياقة البدنية للإنسان، وتحسين الإنتاجية وتعزيز التنمية الاجتماعية والتقدم. في عصر ما بعد الحضارة الصناعية، تم تحويل معظم اللياقة البدنية الأصطناعية الأصلية وأستبدالها بالذكاء الأصطناعي.

تعتبر ولادة الذكاء الاصطناعي ثورة أخرى في تاريخ الأدوات البشرية، فالذكاء الاصطناعي ليس آليًا فحسب، بل إنه جزء من الذكاء البشري. إنه يحرر البشر ليس فقط من العمل البدني الشاق والمرهق ولكن أيضًا جزء من العمل العقلي، فهو يحسن الإنتاجية بسرعة ويعزز التنمية البشرية والتقدم الاجتماعي.

كوزويل وكتابه عن التفرد

أن التعقل هو الأتجاه الحتمي للمستقبل سواء تم رؤيته من نضج التكنولوجيا أو رؤيته من تطور الذكاء البشري. كما قال كورزويل في كتابه عن التفرد، لا يمكننا منع تسارع التغيير ولا منع الذكاء الأصطناعي من تجاوز البشر في مختلف المجالات . الميزة الأكثر تميزًا في تقنية الذكاء الأصطناعي هي أنها يمكن أن تمنح (الآلة) (الذكاء).

لقد أخترع (الذكاء البشري) التقنيات من قبل. ومع ذلك، من الآن فصاعدًا ، يمكن أيضًا أختراع التقنيات من خلال (ذكاء الآلة). أن ذلك يعتبر من العلامات المهمة لظهور تفرد الذكاء الأصطناعي (إنتاج الذكاء بذكاء الآلة).

وبحلول عام 2050 ، سيكون الذكاء الأصطناعي قريبًا جدًا من الذكاء البشري. ومع ذلك، لا يزال للبشرية الحق في تحديد التقنيات المستقبلية والحياة. بعبارة أخرى، لا يمكن للذكاء الأصطناعي الأستغناء عن العديد من القدرات المتقدمة للبشر. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم خدمة للبشر فقط، على الرغم من أنه على المستوى الجزئي والفردي، يمكن للذكاء الأصطناعي أن يحل محل البشر ، ويوسع آفاق تفكيرهم ، ويتفوق عليهم، وقد يكون موقعه كموضوع أقوى من مكانة الإنسان، أي أنه يمكنه السيطرة على الأفراد حيث يكون البشر في خدمة الذكاء الأصطناعي.

التطور المستقبلي

ومع ذلك، من منظور البشرية جمعاء ، فإن الذكاء الاصطناعي هو آلة إلكترونية، وليس فردًا متحركًا، وليس له شكل حياة أو حركة. ليس للآلة أحتياجات أو سمات أو طبيعة أو وعي أو سلوك أجتماعي مستقل مثل البشر. لذلك، من المستحيل أن يصبح الذكاء الاصطناعي موضوعًا مثل الإنسان. على العكس من ذلك، يمكن أن يكون مجرد آلة يستخدمها الناس، كونها أدوات وملحقات في الإنتاج البشري والحياة. وإذا كنا نعتمد بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، فسيكون لدينا ميل إلى الأعتماد، وهذا الأتجاه (على سبيل المثال ، نعتقد أن البيانات التي توفرها الأدوات المتقدمة هي الأكثر كمالًا وموثوقية) لن تجعل الناس يفقدون مهارات التفكير النقدي فحسب، بل يتسبب أيضًا في أخطاء أو كوارث لا رجعة فيها. 

يتمثل التطوير المستقبلي للذكاء الأصطناعي في تعزيز الذكاء العام للبشر، وليس أستبداله، وتعزيز تكامل الذكاء الأصطناعي والذكاء البشري، وإفساح المجال لمزايا كل منهما لتحقيق (التطور المشترك) بين الإنسان وآلات الذكاء الأصطناعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى