قصة قصيرة: رحلة

mosul02

كتب الدكتور عامر هشام

كانت هذه أول مرة يركب فيها وزوجته وطفله الرضيع..الباص السياحي المفتوح سقفه..كأنه يعانق الأفق الذي تكوّرت فيه غيمة بيضاء ، خدشت من وجه السماء الصافي لمدينة مالقا في الكوستو ديل سول- أسبانيا..

لم يزر المدينة هذه من قبل..سمع عنها كثيرا ..فالناس في بريطانيا لا يذهبون للسياحة الاّ لهذه المقاطعة الكوستو دي السول في جنوب أسبانيا الهادئ.

اخذ سماعات الأذن، وجهاز الحاكي الصغير من سائق الباص..متلهفّا لرؤية المدينة ..التي نزلها ظهر أمس قادما من ليدز شمال أنكلترا…زوجته بجانبه والرضيع نائم على كتفه ..كأنه حمامة أرخت على جذع شجرة متينة جناحيها..الركاّب قليلون ..والباص سيبدأ مسيرة الساعة الواحدة في شوارع مالقا بعد دقائق..

يسمع الدليل في جهاز الحاكي يشرح عن ميناء مالقا وساحلها وكنائسها..والتلة الكبيرة (القصبة) العالية حيث يصعد الباص بطيئا كسلحفاة..بين البيوت والأزقة والأشجار العالية..ليستقر على مكان مرتفع..لقصر تاريخي..واسع..تطل من سطحه، فوهات لمدافع رمزية ، تحكي قصة تاريخ مالقا ..وحروبها وسلامها في سالف الزمان..

زوجته من جانب آخر..مندهشة..فهذه جامعة مالقا وذلك البلاج في مالقا، والناس والأطفال يلعبون على شاطئء، يبدو من الباص المفتوح كأنه قريب..تقول له: هل تذكر أيام دراستنا الجامعيّة في الموصل..؟ كم كنت توّد أن تركب باصا سياحيا مفتوحا..ترى ماذا لو كنا في الباص المفتوح نسير في شوارع الموصل-الحدباء…قالتها وهي تبتسم بيأس..!

نظر أليها …وعلى وجهه أكثر من سؤال..لم تنس زوجته تلك الأيام بعد كل هذه السنين العشر بعيدا عن بيتها الأول مجاور سكة الحديد..بالموصل..سألها كيف تتصورين مسيرة الباص السياحي في الموصل أذن..؟بماذا تبدأين خارطة سيره؟

لم تتردّد..قالت : من حيث النبي..نبي يونس..ثم المجموعة وباب الطوب والدواسّة  وشارع نينوى الشهير والجسر الحديدي، وحي الشرطة الجميل حيث بيت أهلي..ومديرية الرعاية العلمية حيث كان الثور المجنّح، والمنارة المائلة- الحدباء لجامع نور الدين….وأجعل السياح ينزلون في الغابات لمدة ساعة، يأكلون فيها ويشربون..ثم أقفل راجعة الى النبي يونس..

ضحك بصوت عال..ها أنت تحلمين مرة أخرى..وهناك أستفاق طفله الرضيع..بكى..صرخ..دموعه أمتزجت مع دموع أمه الجالسة في الباص السياحيّ المفتوح في مالقا بجنوب أسبانيا..!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى