ببالغ الحزن والأسى، نعت الأوساط الثقافية العربية المؤرخ والمفكر المصري الدكتور أحمد زكريا الشلق، الذي رحل مساء الأربعاء الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن ثمانية وسبعين عامًا، تاركًا إرثًا علميًا يفتح أمام القارئ أبوابًا لفهم تاريخ مصر والعالم العربي، والتحولات التي صاغت حياتهما السياسية والفكرية. وبرحيله، تفقد الثقافة العربية أستاذًا وباحثًا جعل من دراسة الماضي عملًا متصلًا بأسئلة الحاضر.
وُلد الشلق في الخامس من مارس/آذار 1948، بقرية كفر الحِمَا بمحافظة الغربية، وارتبطت رحلته العلمية بجامعة عين شمس؛ فتخرج في قسم التاريخ بكلية الآداب عام 1972، ونال الماجستير عام 1977، ثم الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بمرتبة الشرف الأولى عام 1981. وتدرج في التدريس والبحث حتى أصبح أستاذًا، كما عمل بجامعة قطر وتولى رئاسة قسم التاريخ فيها، فأمتد عطاؤه الأكاديمي إلى فضاء عربي أوسع.
وتكشف مؤلفاته عن انشغال متواصل بتكوين الدولة الحديثة، والحياة الحزبية والدستورية، وعلاقة الفكر بالسياسة. ففي «حزب الأمة ودوره في السياسة المصرية» و«حزب الأحرار الدستوريين»، تناول جانبًا مهمًا من التجربة السياسية المصرية، بينما اتسع أفقه في «العرب والدولة العثمانية: من الخضوع إلى المواجهة» لدراسة حقبة طويلة من العلاقات والتحولات التي تركت آثارها في المنطقة.
ولعل من أبرز ما يستوقف القارئ في مشروعه ذلك الأهتمام بأسئلة النهضة والأستنارة. فقد كتب «طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، و«الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر»، و«من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر». وتوحي هذه العناوين، مجتمعة، بأتساع المساحة التي تحرك فيها: من تاريخ الأفكار إلى تاريخ المؤسسات، ومن مساءلة التحديث إلى البحث في الكيفية التي نكتب بها تاريخنا. وهي أسئلة ما زالت حاضرة في ثقافتنا، تمنح العودة إلى كتبه معنى يتجاوز استعادة سيرة صاحبها.
وتتجلى صلته العميقة بتراث طه حسين في تقديمه لكتاب «طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، إذ يقول: “لا يزال طه حسين حياً بيننا بما كتب ونشر في حياته، وبما ننشره بعد رحيله، وما نقرأه ونفسره، ونستكشف مراميه وأبعاده، وبما نوافقه عليه ونتعلم منه، أو نختلف معه ونتركه. لقد صار الرجل جزءاً أصيلاً من ثقافة هذا الوطن وضميره. وفي يقيني أن أحداً لا يستطيع أن يكتب شيئاً عن عميد الأدب العربي، إلا أن يكون قد قرأ كل ما كتبه وتمثله في أناة وصبر، وتأثر به بدرجة أو أخرى”.
ويستعيد الشلق بداية هذه الصحبة الفكرية قائلًا:
“لقد قضيت في صحبة ما كتبه العميد نحو عشرين عاماً، بدأت عندما اقترحت على الزملاء بالجامعة عام 1987 أن أعد محاضرة عن موقف طه حسين من الغرب والتغريب، فبدأت عندئذ في قراءة مؤلفاته التى لم أكن قد قرأتها، وإعادة قراءة ما سبق لى أن قرأته، وحينذاك انفتح أمامى عالم سحرى من الثقافة، يعج بالأفكار ونقدها، ويفيض بأبحاث الأدب وإبداعه، ويظهر مفاتن اللغة وطلاوتها”.
ويلفت في تقديمه إلى عشرات الكتب التي جُمعت فيها مقالات طه حسين المنشورة في الصحف والمجلات عبر عقود، وما تحمله من قضايا فكرية قد تغيب عمن يكتفي بمؤلفاته الأشهر.
وفي هذه الشهادة نلمس معنى الصبر في البحث، وكيف تنمو المحاضرة الواحدة لتصبح رحلة قراءة تستغرق عشرين عامًا. كما نلمس تقدير الشلق لحق القارئ في الموافقة والأختلاف، ولضرورة أن يسبق الحكمَ فهمٌ متأنٍّ للنصوص. وتكتسب كلماته عن بقاء طه حسين بيننا وقعًا مؤثرًا ونحن نودعه اليوم؛ فالكتب التي تركها الشلق تتيح بدورها أستمرار الحوار معه، والتعلم منه، ومناقشة آرائه.
وفي كتابه “من النهضة إلى الاستنارة”، يتتبع إسهامات عدد من أعلام الفكر المصري الحديث، منذ بداية القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين. تبدأ الرحلة بالشيخ حسن العطار، وتمر برفاعة الطهطاوي، والشيخ حسين المرصفي، والإمام محمد عبده، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وتنتهي بأحمد فتحي زغلول. ويربط فيها أفكار هؤلاء، الإصلاحية منها والثورية، بسياقاتها الأجتماعية والسياسية والثقافية. ومن هذا الربط تتضح قيمة قراءة النهضة بوصفها تجربة تشكلت عبر جهود متعاقبة، وأسئلة فرضتها حياة المجتمع وتحولاته.
وكان لتحقيق الوثائق ونشرها مكان في جهده العلمي، من تحقيق “البهجة التوفيقية” إلى نشر أوراق طه حسين ومراسلاته. وفي هذا العمل الصبور تكمن خدمة أساسية للذاكرة؛ إذ يتيح الوثيقة للباحث والقارئ، ويحفظ ما قد تبدده السنوات من شواهد التجربة الإنسانية.
وحضر الشلق في مؤسسات الثقافة والعلم؛ فانتُخب عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 2017، وتولى مقررية لجنة التاريخ والآثار، وشارك في أعمال هيئات علمية وثقافية، وأسهم في تحرير سلاسل منها “ذاكرة الكتابة” و”تاريخ المصريين”. ونال جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية عام 2006، ثم جائزة الدولة التقديرية في المجال نفسه عام 2010. وكانت تلك التكريمات اعترافًا بمسيرة تتوزع بين البحث والتعليم وخدمة الكتاب.
إن الوفاء لأحمد زكريا الشلق يكون أيضًا بقراءة ما ترك، وتيسير وصول الأجيال الجديدة إلى مؤلفاته، ومواصلة البحث في القضايا التي شغلته. هكذا يحتفظ الحضور العلمي بقدرته على العطاء، وهكذا تصبح الذكرى مسؤولية ثقافية تتجاوز كلمات الرثاء.

